ضد المجتمعِ المدني... لماذا؟

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

الجمعة 17 مارس 2017م كان المجتمع المدني على موعد للتظاهر بميدان الجزائر بالعاصمة طرابلس الغرب، وقد وُوجِه كالعادة بالرصاص، ودُس بين المتظاهرين من رفع شعارات جهوية ومتعصبة كي تُبرر القوى المناهضة للمجتمع المدني مواجهة الكلام بالرصاص الحي. وهذا لم يحدث لأول مرة في ليبيا ولم يحدث في مكان واحد كالعاصمة مثلا بل عمَ كل ليبيا.

وظل منعٌ بقانون تعسفي يطالُ تكون المجتمع المدني في البلاد، وإن سمح بتكوين جمعية كجمعية الكفيف الليبي فإنها تكون تحت هيمنة الدولة التي تحتكر مكونات المجتمع المدني وتُسيطر عليها، وليس ثمة دليل على ذك مثل جمعية الهلال الليبي التي تكاد تكون مؤسسة تتبع أمن الدولة وتعمل ضمن احتياجات النظام، وفي نهاية القرن الماضي شاركتُ وثلة من المثقفين الليبيين في مدينة بنغازي بتأسيس "جمعية أصدقاء الكتاب"، ووصل عدد المؤسسين لما يقارب المائتي عضو من مثقفين وكتاب ومحامين وصحفيين وفنانين وشخصيات اجتماعية فاعلة، فما كان من الأمن الداخلي إلا أن منع الترخيص للجمعية، وعلمنا من المسئول الأول للأمن الداخلي المعروف حينها "السنوسي الوزري" أن المنع جاء بناء على تعليمات من "قائد الثورة معمر القذافي" شخصيا.

أما "جمعية البيت الثقافي بدرنة" التي رخص لها قُبيل ثورة فبراير بسنوات فقد ووجهت بتعسف لإيقاف نشاطها وكتب رئيس الهيئة العامة للصحافة حينها "محمد عمر بعيو" مقالة بجريدة الشمس مُهددا بإغلاق الجمعية باعتبارها وكرا للحزبية والمُتحزبين. وبطبيعة الحال فإنه حسب النظرية العالمية الثالثة نظرية "العقيد معمر القذافي" وما جاء في كتابه الأخضر فإن "من تحزب خان" وبهذا فإن كاتب المقالة أراد أن يُبين أن مُنشطي الجمعية والمشاركين في نشاطها يمارسون الخيانة، لقد كانت الدولة الليبية في كل عهودها تجرم الحزبية، وفي عصر الجماهير عصر معمر القذافي تعاقبه بالإعدام.

لهذا هم ضد المجتمع المدني أمس واليوم وغدا أيضا لأن لا وجود لهم في وجوده، ليس إلا.... هم يريدون كمن قبلهم أن ينفردوا بـ "السلطة والثروة والسلاح"

بُعيد ثورة 17 فبراير 2011م بل وأثناءها عمَّ الليبيين نشاط عارم في مجال المجتمع المدني، وانبثقت مؤسساته بشكل عفوي ومضطرد في الأيام الأولي من عام 2011م، وأسست مئات الجمعيات والنقابات والاتحادات، وحتى أنه كونت للمرة الأولى في تاريخ البلاد وزارة للثقافة والمجتمع المدني، ولقد اعتبر الليبيون أن الدولة لا تكون دولة إلا وهي مدنية ديمقراطية، ولذا من لزوم ما يلزم كي تكون دولة أن يكون المجتمع المدني، وفي مبحث ميداني قامت به الـ "BBC " الهيئة البريطانية الإعلامية الأشهر تبينت أن ليبيا كانت في مقدمة دول الربيع العربي في مضمار المجتمع المدني آخذين في الاعتبار أنهم انطلقوا في السبق من النقطة الصفر.

ولعل من المرتكزات الرئيسة في النجاح الذي حققه الليبيون في الانتخابات التي خاضوها هو المجتمع المدني، حيث أن الليبيين من دول الربيع العربي من حاز السبق في صناديق الاقتراع في انتخاباتهم الأولى قوى مدنية ممثلة في "التحالف الوطني" وأحزاب وشخصيات وطنية مستقلة، في حين بقية دول الربيع حاز على الأغلبية جماعة الإسلام السياسي كالإخوان في مصر والنهضة في تونس.

لا نحتاج لأكثر كي يتضح الدور الفاعل والمهم للمجتمع المدني في ليبيا غب 17 فبراير 2017م، وليس من دليل كما بدأنا المقال من مواجهة المجتمع المدني بالرصاص الحي وقبل اختطف من اختطف واغتيل من اغتيل من أفراد من ناشطي هذا المجتمع مثل المغيب "عبد المعز بانون" والمغتالة "سلوى بوقعقيص"، والساعة تتم حروب ضروس مادية كما وضحنا ومعنوية بالتخوين والعمالة للأجنبي ومنع السفر، ومنع نشطاء المجتمع المدني من مزاولة عملهم بسبل لا تخفى على أحد. فهي وسائل بالية اتخذها نظام القذافي لعقود، مثل محاولة لبس القناع الاجتماعي وإعادة إحياء الرميم من مؤسسات المجتمع التقليدي التي تقبع في متحف التاريخ: "القبيلة" وما شابهها من لبوس اجتماعي جهوي وعنصري، ومن شابه أباه فما ظلم.

لكن الحقيقة أن ما ووجه به المجتمع المدني ووجهت به الأحزاب ووجه به مجلس النواب هو ما وُجه إلى ثورة فبراير التي لم تأت بالثعلب من ذيله "الديمقراطية" لكنها جالبة الويل والثبور وانعدام "الأمن"، وعلى الليبيين الخيار بين "المجتمع المدني" وبين "الأمن" بين "فبراير" وبين "سبتمبر" بين "الحرية" وبين "القيود".

لهذا هم ضد المجتمع المدني أمس واليوم وغدا أيضا لأن لا وجود لهم في وجوده، ليس إلا.... هم يريدون كمن قبلهم أن ينفردوا بـ "السلطة والثروة والسلاح"، وإن عادت عقارب الساعة إلى الوراء فإن ما حدث قد حدث، ومن هذا فإن الليبيين ما قبل فبراير ليسوا هم ما بعده بل وكل العالم وإن غدا لناظره لقريب .... والسلام.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات