ميليشيات خارجة عن القانون تطرد "الميليشيات الخارجة عن القانون"*

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

بداية انتفاضة ـ أو هبة، كما أفضل أن أسميها ـ فبراير، ظهرت تظاهرات حاشدة في ميدان الشهداء بطرابلس، لكن سرعان ما تعامل معها النظام؛ المتمركزة أجهزته الأمنية في العاصمة، بصرامة وقوة، لأن أي نظام يتعرض لتمرد مسلح سيعتبر سقوط العاصمة يعني سقوطه، وهذا ما جعل النظام السوري يحكم قبضته على دمشق متخليا عن الكثير من المدن المهمة.

أصبح التظاهر في طرابلس مستحيلاً، بل تحولت ميادينها إلى أماكن حشد في مواجهة ميادين المدن الأخرى التي خرجت عن سيطرة النظام. لم تتعسكر الانتفاضة في طرابلس بسبب خصوصية هذه المدينة الحاضرة، وتاريخها الذي يخبرنا بميلها إلى الحراك السلمي، والتعامل مع كل السلطات التي مرت بها بهذا التكتيك الذي كان يسعى للحصول على حقوق الناس سلميا من قلب جبروت القوى الغازية، وهي خصوصية تتعلق بمفهوم الحاضرة، حيث يميل الناس إلى السلم وإلى الخوف على مدينتهم من الدمار الناتج عن العنف، وخرج من طرابلس إلى جبهات القتال في الزاوية وفي جبل نفوسة العديد من الثوار الذين كان معظمهم ينتمي إلى جماعات دينية، وما ينطبق على طرابلس حاضرة الغرب، ينطبق على درنة حاضرة الشرق التي تسلل إليها العنف عن طريق الجماعات المتشددة، والتي عادة ما تستغل ميل السكان إلى السلم ونأيهم عن النفوذ القبلي لتوطيد قواعدها والتمركز فيها.

أصبح التظاهر في طرابلس مستحيلاً، بل تحولت ميادينها إلى أماكن حشد في مواجهة ميادين المدن الأخرى

كانت طرابلس التي جوبه فيها الحراك السلمي بضراوة تعيش حالة من الهدوء في أشهر الحراك الأولى، وكانت هتافات ميادين بنغازي تطالب شباب العاصمة بليلة حاسمة، وتؤكد على أن طرابلس عاصمة ليبيا الأبدية، لقناعتها بأنه دون سقوط العاصمة أو خروجها عن سيطرة النظام لن يسقط النظام.

ومع التضييق على العاصمة وانشقاق آمر كتيبة حماية طرابلس، البراني اشكال، الذي أمر مجنديه بإلقاء أسلحتهم في اللحظات الأخيرة، خرج رأس النظام ومجموعته من العاصمة ولاذ بموقع رأسه سرت كآخر معقل له.
أُعلن رسميا سقوط باب العزيزية وتحرير طرابلس، وتم تأجيل الإعلان عن تحرير ليبيا بعد معركة سرت، وفي الحال كان المكتب التنفيذي، برئاسة الدكتور محمود جبريل، يجهز لإدارة طرابلس ما بعد خروجها عن سيطرة النظام، وكُلف الدكتور عارف النايض رئيسا للجنة دعم الاستقرار في طرابلس، لكن هذه اللجنة تعرضت لهجوم قوي، خصوصا من التيار الإسلاموي متمثلا في جماعة الأخوان والمقاتلة، الذين بدءوا في تكوين كتائبهم الخاصة للسيطرة على طرابلس التي سينتقل إليها المجلس الانتقالي بمجرد إعلان تحرير ليبيا كما ورد في الإعلان الدستوري، لذلك كانت طرابلس تُفرش وتُجهز لهذا الانتقال، ولتكون عاصمة هذا التيار الذي عليه أن يمسك الأرض بالسلاح قبل أن ينتقل الفعل السياسي إليها، وهذا ما حدث في النهاية، عندما أصبحت هذه الفصائل الممولة من أعضاء نافذين داخل المؤتمر تحيط مقر المؤتمر الوطني بالتوابيت لتمرير القوانين والقرارات المطلوبة.

انتهى رأس النظام في سرت، أكتوبر ،2011 ، وبانتقال المجلس الانتقالي وحكومته التنفيذية إلى طرابلس، باشر رئيس المكتب التنفيذي، د. محمود جبريل، في إجراءات دمج الفصائل المسلحة المسيطرة على طرابلس ضمن المجلس الانتقالي بدل تفكيكها الذي كان مستحيلا، وذلك عن طريق توسيع المجلس ليشمل ممثلي الفصائل المسلحة الذين كانوا وقتها يعدون على أصابع اليدين، ووفق ترتيبات خارطة الطريق التي أعدها المكتب التنفيذي وجاءت بالاعترافات الدولية وقتها.

واستطاع جبريل أن يعقد معهم اتفاق الإدماج الذي وقع عليه جميع رؤساء المجالس العسكرية، وبارك مصطفى عبد الجليل شخصيا هذه الخطوة المهمة، لكنه عاد بعد يوم واحد بتوجيه رسالة إلى المكتب التنفيذي بإلغاء هذا الاتفاق، وكان لتأثير جماعة الأخوان المحيطين بمصطفى عبد الجليل دورٌ في هذا الإجراء، باعتبار أن تلك الفصائل تشكل في الواقع الذراع المسلح لهم وللجماعة المقاتلة.

حذرت وقتها صحيفة نيويورك تايمز من "احتمال الاقتتال بين الليبيين لفترة غير محددة بعد انتهاء الثورة ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي" وأشارت إلى "أن العديد من فصائل الثوار ترفض التخلي عن سلاحها على الرغم من تعهدات سابقة بتسليمه ... بدعوى أنهم يعتزمون الحفاظ على استقلالهم الذاتي والتأثير في القرارات السياسية بوصفهم "حراس الثورة" . كما نقلت الصحيفة حرفيا تصريح أحد قادة فصائل الثوار في الجبل الغربي، أنور فكيني، وهو محام ليبي يحمل الجنسية الفرنسية ومقرب من كبار قادة المجلس الوطني الانتقالي "إن الفصائل المسلحة هي التي تملك القوة على الأرض، وإنه لن يصار إلى تسليم سلاحها حتى تتشكل حكومة شرعية في البلاد، وذلك من خلال انتخابات حرة ونزيهة وعادلة".

وهكذا استمرت تلك الفصائل وتناسلت إلى أن وصلت إلى المئات بعد أن أصبحت الطريقة الوحيدة للحصول على النفوذ والتأثير في القرار السياسي وجمع المال، عبر تشكيل ميليشيا تسيطر على جزء من الأرض، وكانت المليارات التي تدور في طرابلس كافية لتحقيق نوع من التعايش بين هذه الميليشيات التي تحوّل معظمها من انتمائه السياسي إلى كونه ميليشيا مأجورة تنحاز لمن يدفع أكثر، ومع تراجع الإمكانات المالية في طرابلس أصبح طبيعيا هذا الصراع المسلح بينها وسط الأحياء الآهلة بالسكان، لأن اللقمة غدت أقل من نهم كل هذه التشكيلات.

الحل الأمثل في قدرة جيش وطني موحد وقوي على نزع السلاح بالقوة من هذه الميليشيات وتفكيكها

والآن تورط أمراؤها ومنتسبوها في جرائم ضد الإنسانية وفي جرائم قتل وفساد مالي، وأصبح تخليهم عن السلاح نوعا من الانتحار الجماعي، وهذا ما جعل د. محمود جبريل الذي تفطن لهذه المخاوف مبكرا، يؤكد على أن ثمة حلا أمثل وثمة حلا أنسب. الحل الأمثل في قدرة جيش وطني موحد وقوي على نزع السلاح بالقوة من هذه الميليشيات وتفكيكها، وحل أنسب في التعامل مع مطامع ومخاوف هذه الميليشيات بشكل عملي يجعلها تتحرر من خوف تسليم سلاحها.

وما بين هذين الخيارين خرج آلاف من سكان طرابلس في مظاهرة يطالبون بالجيش والشرطة، لكن المشهد في النهاية أعاد لنا مشهد كتائب القذافي حين أطلقت الرصاص على المتظاهرين في نفس الميدان في فبراير 2011 . وكأن قدر طرابلس أن تكون تحت رحمة كتائب القذافي الأمنية المسماة بأسماء أشخاص، أو الميليشيات الوريثة لها المسماة أيضاً بأسماء أشخص، والتي جميعها تقمع الشعب بحجة الحفاظ على الثورة.

*حين قرأت خبرا متكررا في الكثير من الأماكن مفاده "طرد الميليشيات الخارجة عن القانون من قصور الضيافة" ضحكت بأسى، ففي هذه العملية لا ترد تسميات مثل الجيش أو وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان أو وزارة الداخلية أو مديرية الأمن، فثمة أشباح طردت أشباحا، ما جعلني اقترح عنوان هذه المقالة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات