مجتمعات "ما قبل الوطنية"

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

في اللغات الأوربية، أو في بعضها على الأقل، لا يوجد تفريق بين الدولة القومية والدولة الوطنية والدولة الأمة. فكلها يعبر عنها في الإنجليزية، مثلا، بمصطلح Nation-state. وبالتالي ليس ثمة تفريق، في مجال الفكر السياسي، بين القومية والوطنية، فكلاهما يجمعهما مصطلح Nationalism.

ذلك لأن الدول الأوربية تعتبر أن أممها، أو قومياتها، قد حققت بناء دولها. أي أن كل قومية، أو أمة، بنت دولتها على رقعة الأرض المنتشرة عليها. ورغم أن هذا ليس صحيحا في جميع الحالات (سويسرا مثلا دولة لثلاث قوميات تعد امتدادا لأربع دول مجاورة، وليس لقومية واحدة) إلا أن الأمر صحيح بشكل عام، إذا ما فهمت الدولة الأمة على أساس أكثرية قومية على رقعة معينة. وفي فترة لاحقة أصبحت فكرة القومية أو الوطنية، في المخيال الأوربي، ذات شحنة سلبية تقترن بالتعصب والشوفينية كما تمثلت في الفاشية والنازية، وأضحى الشخص القومي أو الوطني مثالا للتعصب والعنصرية.

سرُّ التفريق بين القومية والوطنية في الفكر السياسي العربي عائد إلى أن العرب، كأمة أو كقومية، لم يتمكنوا من بناء الدولة-الأمة

سرُّ التفريق بين القومية والوطنية في الفكر السياسي العربي عائد إلى أن العرب، كأمة أو كقومية، لم يتمكنوا من بناء الدولة-الأمة، أو دولتهم القومية المنشودة، وإنما نشأت عدة دول عربية على رقع متعددة مما يعرف بالوطن العربي، يسميها الفكر السياسي القومي العربي الدول القطرية، وتسمى أيضا الدول الوطنية، بمعنى أنها دول مستقلة تحكمها أنظمة من نفس أهلها، أو أنها محكومة من قبل أنظمة ذات توجه وطني معادٍ للاستعمار.

ليس من شأن هذا المقال التركيز هنا على الدولة القومية أو الدولة الأمة، وإنما على الدولة الوطنية. وليس بالمفهوم الثاني، وإنما بالمفهوم الأول. ومثلما أن العرب فشلوا في بناء دولتهم الأمة، ثبت من الوضع الراهن أنهم فشلوا أيضا في بناء الدولة الوطنية، بمعنى الدولة المستقلة الموحدة ذات النظام الديموقراطي الذي يبسط سيادته على كامل رقعة الوطن.

ذلك أن هذه الدولة ذات تكوين انقسامي تتجه الولاءات فيه إلى وحدات وكيانات ذات قدر كبير من الاستقلالية تتمثل في القبيلة والطائفة والمدينة والجهة والعرق (أي أنها كيانات "تحت وطنية")، ويغيب مفهوم الوطن والشعور به والانتماء إليه.

قد يوجد نظام سياسي، عسكري عادة، يلصق بغراء الاستبداد والدكتاتورية هذه الشظايا*. لكن هذا الغراء سرعان ما يذوب حينما يطاح بهذا النظام في هبات شعبية، مثلما حدث في بعض بلدان ما عرف بـ "الربيع العربي".
يمكن القول أن التوصيف الحقيقي لمثل هذه المجتمعات هو أنها "مجتمعات ما قبل الوطنية". حيث إن التطور التاريخي الذي اكتنفها وتحكم في مسارها لم يصل بها (بعد) إلى أن تذوب مكوناتها التقليدية (مكونات مجتمعات ما قبل الحداثة) المستقلة بحيث تتبلور مصلحة وطنية ناظمة وجامعة تولد شعورا وانتماء وطنيين، مهما كان تضارب المصالح الطبقية والفئوية. وما يحدث الآن في كل من ليبيا وسوريا والعراق واليمن لدليل على صحة هذا الطرح.

* المفارقة أن الأنظمة الاستبدادية، في الوقت الذي تحاول فيه "لصق" هذه الشظايا، تسعى إلى تعميق الخلافات بينها كي تستخدم بعضها، عند الحاجة، ضد البعض الآخر.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات