مما كتب عنهم

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

انتبهت إلى تنامي تواجد الإسلام السياسي في مجموعات الثوار الذين نسجوا لوحات المشاهد المبكرة لثورة فبراير 2011، قبل أن تسقط كتيبة «البركة». وفيما كنت أتابع، في تلك الأيام، نشرات أخبار الجزيرة ميزت صوتًا أعرفه حق المعرفة، كانت مداخلاته تتكرر في اليوم الواحد. كان (أبوعبد الله) ناشط، متحدثا بحرفية إعلامية. ذهبت إليه في منزله. أخبرته أن عليه أن ينتبه لأن صوته واضح جدًا، ونصحته بأن يتحدث من خلال قماشة حتى يتغير الصوت. تبسم وقال لي بلهجة الواثق: «القذافي انتهى تأكد من ذلك»، أخبرته أن يتوخى الحذر وشكرته على ثقته واعترافه لي بأنه هو المتحدث. كنت أعرف ميوله الإخوانية الإسلامية، فلقد هرب من البلاد بمعجزة قبل القبض عليه وعاش لسنوات مغتربًا وعاد مؤخرًا.

يوم 1 أغسطس 2011 كان أول يوم من شهر رمضان، وصل فيه إلى بنغازي صديقي خالد زغلول، نائب رئيس تحرير الأهرام متطلعًا إلى حوار مع رئيس المجلس الانتقالي وتم له ذلك. في اليوم التالي أخبرني أنه يرغب في حوار مماثل مع (مرشد) الإخوان المسلمين، وتكفل صديقي أبوعبد الله، بتنظيم هذه المقابلة. أخذت السيد خالد زغلول إلى مقر كان أكثر تنظيمًا من المجلس الانتقالي نفسه، كان المبنى من ثلاثة أو أربعة طوابق وبكل طابق مجموعة من الشقق تحوي مكاتب مجهزة، كان المقر كخلية نحل. وحضرت اللقاء واستمعت إلى ردود وإجابات المراقب العام السيد عبدالقادر بغطوس، التي كان من بينها ما يؤكد أن الإخوان يرون أن دولة الإسلام مدنية، وبعد انتهاء المقابلة استأذنته أن أنقل ذلك عنه، فقال ما قلته عن مدنية دولة الإسلام أكيد وهذا ما نعمل من أجله وبالفعل كتبت مقالة عن ذلك ونشرت في ذلك الشهر المبارك.

هناك من يقول إن معظم الحركات الإسلامية إن لم تكن كلها خرجت من تحت عباءة الإخوان

لم تكن قراءتي عن الإخوان المسلمين مركزة ولا عميقة بسبب قناعتي بالدرجة الأولى بأن عقيدتي الإسلامية هي تلك التي ترعرعت عليها منذ دروس الكَتاب وتفسيرات أساتذة مادة الدين في المراحل الدراسية المتنوعة، ثم محاضرات الجامعة الليبية التي كان الدكتور عبدالعزيز برهام يبيّن لنا فيها أساسيات الإسلام الوسطي السني، محاولا وبحذر شديد أن يبرهن من خلال الأحداث والأحاديث أن القرآن الكريم كان يكتب عند نزوله، تماما مثلما قال الحق تعالى: «إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ». «سي عقيلة يعرف ربي وربي يعرف سي عقيلة» هكذا كنت، على نحو ما، أعرف الله وأجله وأخشاه من دون تطرف. كانت عندي ريبة من التنظيمات المتطرفة كافة، وكان تنظيم الإخوان المسلمين في اعتقادي من هذه التنظيمات فلقد تأثرنا مما كتب عنه في ستينات القرن الماضي، ثم تشدد نظام القذافي مع أي تنظيم أو حزب.

ذات يوم سنة 2011، في القاهرة، قرأت إعلانًا بارزًا قريبًا من مسجد رابعة العدوية يقول: «سمعتم عنا فاسمعوا منا». فانتبهت أنني فعلاً سمعت الكثير عنهم، ولم أقرأ عنهم سوى اليسير. ثم شرعت في قراءة كل ما وقع في يدي عن هذا التنظيم خصوصًا من بعد تفرده شبه الكامل بالسلطة في ليبيا، محاولاً ألا يتسلط علي ما سمعته، خصوصًا ممن هم أعلم مني، لفت انتباهي دقة تنظيمهم في الاستقطاب وحرصهم على توسيع مجموعتهم، وكيف أنهم يهتمون بمن يبرز في المدارس والمعاهد، ثم يستقطبونه، وكيف يقتربون من الناس بالأعمال الخيرية، وكيف يختارون مواقيت مناشطهم.

من بعد قيام ثورة 17 فبراير، قرأت ما كتبه الآخر عنهم، وأنا أقصد عددًا من صحفيين أجانب، وانتبهت إلى الدور الكبير الذي بمقدورهم أن يلعبوه الآن في مأزق ليبيا، من بعد ما عرفت كيف تمكنوا من مفاصلها، لأنهم طرف أساسي، في المشكلة الليبية، فهم جزء من الحل وهم أيضًا جزء من المشكلة.

الإخوان المسلمون تنظيم كبير من الناحية العددية، فبحسب تقرير يعود تاريخه إلى سنة 1986 أفرجت عنه وكالة المخابرات الأميركية، يقول إن عددهم في مصر وحدها حوالي نصف مليون، وأنهم قادرون على كبح جماح الفصائل المتطرفة الأخرى، وإن كانوا مثلما يقول التقرير لا يؤمن جانبهم، ولا ينبغي أن نغفل أن الوكالة أعدته في وقت كانت تتفاوض معهم خصوصًا فيما يتعلق بمسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وإن كنت أرى ذلك يعود أيضًا لنماذج تريد أن تبرز فتعد بما لا تستطيع تنفيذه، من دون أن تكون لها سلطة تفويضية.

الإخوان المسلمون متفوقون من الناحية التنظيمية، فروع تنظيمهم منتشرة في عدد كبير من دول العالم، أما استثمارات مواردهم المالية، فهي لافتة للنظر. فلديهم: «شركات للمقاولات، وبنوك إسلامية، ومصانع لإنتاج البلاستيك، ومجموعات تجارية واقتصادية أخرى، تعتقد الاستخبارات الأميركية أنها مملوكة لأعضاء في الجماعة أو متعاطفين معها، وتدير سلسلة من الفنادق في القاهرة وخارجها». وتشير الوثائق إلى أن رجال الأعمال الأثرياء من أعضاء جماعة الإخوان أو المتعاطفين يتبرعون بعشرة في المائة على الأقل من مداخيل أعمالهم لدعم الجماعة.

تتراوح الفترة الزمنية التي تأسست خلالها جماعة الإخوان المسلمين ما بين 1928 و1930 ولعل فترة التنويريين التي ابتدأت من تلك «البذرة التي غرسها الشيخ رفاعة الطهطاوي» ثم رعاها جمال الدين الأفغاني، ومن بعده تلميذه محمد عبده ورشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي، الذين قدحوا شرارة التطور الفكري والديني التي مهد لها في مصر محمد علي، والسلطان محمود الثاني في تركيا فظهرت حركات الإصلاح مثل الحركة المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا ثم الجامعة الإسلامية. كان من الطبيعي أن تظهر مثل هذه الحركات، فلقد بلغ الجهل بالدين في ذلك الوقت مداه، حتى أن مصليًا سأل الأمام محمد عبده، مستفسرا في أي الجانبين يستحسن للمتوضيء أن يضع إبريق ماء الوضوء، أو ذلك الذي منع ابنه من الذهاب إلى المدرسة حتى لا يبول واقفًا مثل الكفار!.

منذ ظهور حركة الإخوان المسلمين قيل عنها الكثير، وكتب عنها العديدون من المؤيدين والرافضين، حتى إن هناك من يقول إن معظم الحركات الإسلامية، إن لم تكن كلها، خرجت من تحت عباءة الإخوان. وعمومًا هناك معلومات متفرقة أغلبها كتب بموضوعية، خصوصًا تلك التي كتبها عنا الآخر. سوف أستعرض ما أرى أنه يهم أمرنا ويقرب وجهات النظر بما يخدم مصالحة نحن نحتاجها تمامًا مثلما نحتاج إلى الحرية والأمن والأمان.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    13.03.2017 الساعة 12:52

    ( الله لا اقرب لهم جوار ) انهم خفافيش وعرابي الإرهاب والتخلف