آلهة النفط الليبي المجنونة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

مثلما شكلت آبار المياه في ذاكرتنا رومانسيةً غابرة، كمكان يلتقي فيه العشاق، ومثلما نما على حوافها الرطبة شعر الغزل، وحوارات صوب خليل، والأغاني التي مازالت تتردد حتى الآن (سوال النبي يا بير ما ورداتك .. ودلت سوالفها علي جالاتك)، مثلما تاريخها زاخر بالمعارك الدامية على مائها الشحيح في هذا الامتداد الصحراوي الذي يتراقص فيه السراب دون نهاية، وبقدر ما تجف تلك المعاطن بقدر ما كانت قريحة الشعراء تفيض بملاحم تأجيج معارك العطش، فكانت تلك الآبار معابدَ للحب ومسارحَ للحرب في الوقت نفسه.

نهاية الخمسينيات اكتُشِف النفط في ليبيا بعد دهر من شح موارد رافق هذه الأرض القاحلة، لم يتخلله إلا ازدهار شبه أسطوري، قبل أكثر من ألفي عام، ارتبط بنبات السلفيوم في الهلال القوريني الخصيب الذي كان يباع بوزنه ذهباً. وازدهار آخر قصير حين أصبح نبات الحلفاء الممتد هلاله في ولاية طرابلس العثمانية، المادة الأولية لصناعة الورق، منتصف القرن التاسع عشر إبان ازدهار الطباعة والصحافة في أوروبا. ولم تخلُ تلك العصور أيضا من بهجة الموارد المكتشفة، ومن الأغاني التي صاحبتها، ومن الحروب التي دارت حولها.

حين اكتشف النفط عمت الاحتفالات والأفراح ربوع ليبيا، مثل عائلة فقيرة تكتشف كنزاً في فناء بيتها المتهالك

حين اكتشف النفط عمت الاحتفالات والأفراح ربوع ليبيا، مثل عائلة فقيرة تكتشف كنزاً في فناء بيتها المتهالك، وحمل الملك بين يديه أول زجاجة سوداء استخرجت من جوف هذه الأرض والتقطت الصور بجانبها، ولكن لم يمضِ وقت قصير حتى تساءل الشارع عبر شاعر شعبي يقول بمراراة: وين ثروة البترول يا سمسارة .. اللي في الجرايد نسمعوا باخباره. غير أنه لم يتسع الوقت للمملكة كي تثبت أن مارد الحياة سيخرج من تلك الزجاجة السوداء، ويلبي مطالب شعب عاش معظم دهره على حافة الجوع، ولم يجد غالباً وسيلة للعيش إلا عبر قَطْع طرق القوافل التجارية في الصحراء، وقرصنة القوافل البحرية في المتوسط عن طريق أول أسطول ليبي دشنه القرمانليون نهاية القرن الثامن عشر.

لم يتسع الوقت للمملكة كي تفي بوعودها، حتى حدث انقلاب عسكريـ- أو ما يسمى بعملية "بلاك بوت" المدعومة من أجهزة استخبارات دول شركات النفط ـ بعد 6 سنوات من تصدير أول شحنة نفطية، ليتم بعدها تأميم الشركات النفطية ـ بعكس أو كما أراد مديرو العملية ـ وسط احتفالات صاخبة في كل المدن الليبية، وبدأت في البداية بوادر هذه الثروة تظهر على البلاد والعباد لدرجة أن الكثير من الليبيين مازالوا يعتبرون أن السبعينيات أهم عقد عاشوه فيما يخص مستوى المعيشة، والتمتع بتلك الثروة التي كانت الوسيلة الناجعة للتغطية عما يضمره النظام من خطط إقصائية، كي ينظف رعيته من كل النخب المشاكسة، ممرراً في ظل هذا الرفاه الشعبوي نقاطه الخمس التي دشنت مشروع تقويض الدولة، وتأميم الجامعات لصالح مشروعه الثوري بعد تصفيتها من اتحاداتها المستقلة، وإعدام الطلاب في الميادين وسجن المثقفين، وضرب البرجوازية الناشئة عبر تأميم القطاع الخاص لصالح ورشة الفساد الشاسعة التي كانت تسمى القطاع العام، لينتهي العقد المربك بإعلان سلطة الشعب الذي دق أول مسمار في نعش دولة القانون، وتحول النفط إلى أداة للاستبداد بدل أن يكون أداة للتنمية والرفاه، وعادت قريحة الشعراء المجهولين تتساءل عن ثروة البترول التي ضاعت مرة أخرى، دون أن يكون الشاعر هذه المرة قادراً على نشر قصيدته في جريدة محلية، مثلما نُشرت قصيدة جعفر الحبوني، العام 1963م، في جريدة العمل الليبية.

كان الليبيون يتفرجون على نفطهم وثروتهم وهي تذهب إلى القارات الخمس، وتدعم الجماعات التحررية والانتحارية في كل فج بعيد، وما تبقى يتقاسمه السماسرة والفاسدون في الداخل، ليعلن القايد الشعبوي، بعد 40 عاماً من الضخ المتواصل للنفط، أن ليبيا تنعم بمليون فقير، بما يعادل خُمس الشعب وقتها، ما جعله يدعو، للمرة الأولى، لتشكيل حزب "قلال الوالي". وتحول ذلك النخل المعدني الذي ارتفع في مناطق الواحات إلى ما يمكن تسميته بالنخل الأعوج الذي دخانه في أنوفنا وثماره خارج الحدود.

ولأن شركات النفط العالمية وجدت صعوبة في التعامل مع ثلاث حكومات إقليمية، ضغطت دولها من أجل إنهاء النظام الاتحادي وتوحيد ليبيا عبر تعديل دستوري ما لبث أن فرّق المشاعر الشعبية في أقاليم عدة بدأت تتململ من المركزية، ورغم أن السلطة الشعبية قسمت مناطق ليبيا إلى بلديات وشعبيات وكومونات لا حصر لها، وحاولت أن توزع عليها ما يتبقى من هذه الثروة الأممية، إلا أن الفساد كان ينتشر أفقيا دون رقيب أو حسيب، وأصبح الخلط بين التهميش والفساد سمة الشجون الليبية التي ظلت لأربعة عقود تتساءل: وين ثروة البترول يا سمسارة؟.

حين اندلعت انتفاضة فبراير، وتعسكرت بعد أيام قليلة، أصبح ما يسمى بالهلال النفطي مركز صراعها، وأصبح التهديد بنسيان البترول موضوع خطاب ملك الملوك وولي عهده، لتؤول الأمور في النهاية إلى رسالة بعثها القايد إلى أحد أعضاء الكونجرس، يطرح فيها تقسيم ليبيا عند الكيلومتر 40 كحل للخروج من الأزمة، وتقسيم المورد الوحيد الذي وحد ليبيا العام 1963م.

حين اندلعت انتفاضة فبراير، وتعسكرت بعد أيام قليلة، أصبح ما يسمى بالهلال النفطي مركز صراعها، وأصبح التهديد بنسيان البترول موضوع خطاب ملك الملوك وولي عهده

وفي النهاية استولى مغامر أفّاق ـ يستمد هويته السياسية من كنيته ـ بعصابته على هذا الهلال، وكل مرة يعلن ولاءه لجانب، وبدأت عمليات تهريب النفط بسعر أرخص مما كانت تبيعه به داعش في العراق وسوريا.

تهاوت كمية النفط المُصدّر وتهاوت أسعاره، وتحول الكوجيتو الليبي إلى: وين ثروة البترول يا سراقة.. اللي في المحافل تلعبوا بأوراقه. وأصبح للبلد ثلاث حكومات عطشانة تتصارع على معطن واحد، ومن جديد بدأت قريحة الشعراء تؤجج هذه الحروب على الآبار السوداء، البعيدة هذه المرة عن شعر الغزل، لكن مواعيد عشاقها كانت تُضرب في فنادق العواصم العربية والغربية حين تحول ريعها إلى عملة صعبة تستدرج النساء في فنادق الخمس نجوم دون الحاجة للشعر أو لصوب خليل.

وتحولت تلك الزجاجة السوداء؛ التي انبثقت يوما من جوف أرضنا والتُقِطت الصور بجانبها، إلى ما يشبه زجاجة الكوكاكولا في فلم (الآلهة المجنونة) التي رماها طيار عابر فوقعت على قبيلة معزولة عن العالم الحديث، فاعتبروها هدية من السماء وعبدوها كآلهة، ولم يمضِ بعض الوقت حتى تقاتلوا بسببها، ما جعل زعيم القبيلة يحاول مرارا إعادتها للسماء عبر قذفها في الهواء، وكانت كل مرة تسقط على رأس أحد رعيته فتشجه، ليتحول هذا الاعتذار للآلهة إلى حفلة دماء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات