حكاية رجل لم يحكوا لنا عنه

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

الدكتور المرحوم رؤوف بن عامر، تعلم في إيطاليا وعاد منها إلى بنغازي بكتب إيطالية عديدة تاريخية واجتماعية كتبها صحفيون ومغامرين ورحالة عن بنغازي. كان غالبا ما يحدثني عن بعضها. ذات مرة حكي لي هذه القصة الحقيقية التي بالطبع تناولتها برؤيتي جاعلا كاتبها هو الراوي. ونشرتها في حينها، آملا أن تجد من ينتبه إلى شجاعة وبطولة صاحبها فيخلد اسمه ولو على زقاق. ثم ظللت وراءه إلى أن ترجمه، وقام خليفه الفاخري بمراجعته. ونشر بالفعل. هذه من قصص من كتاب عنوانه "بنغازي" مؤلفة ( اللدريكو تيجاني) نشرته دار اسمها : Casa edit rice sonzogano سنة 1914

(1)

- "سوف نحاكمهم غدا" قال الضابط المتأنق بملابسه العسكرية والمنفوش كديك بين المتحلقين حوله.

- "أنا لم أحضر، من قبل أيه محاكمة لمتمردين فهل يسمح لي بحضور هذه المحاكمة؟" كذلك سأل رجل وسيم في مقتبل عمره متميزا بين الواقفين ببدلته البيضاء وقبعته الزرقاء التي يلفها شريط أبيض. نظر الضابط إليه ثم انتقل ببصره إلى بقيه الوجوه كما لو أنه يسألهم عن هذا الذى لم يحضر محاكمة متمردين من قبل وقبل أن ينطق تطوع ضابط آخر كان بجواره وقدمه قائلا:

- " أنه السنيور (اللديركو تيجانى) كاتب وصحفي من روما وهو فى زيارة إلى بنغازى لأنه يعد كتابا عنها.

- "أوه شيء عظيم... شيء عظيم تشرفنا يا (سنيور تيجانى). إن كان لا يحق لأمثالك حضور محاكمتنا فمن ذا الذى نشهده على نزاهة وعدالة دولة (الدوتشى) الفتية وهي تحاكم المجرمين وقطاع الطرق والمتمردين؟

وتمنحهم كل الحق في الدفاع عن أنفسهم". كذلك قال الديك المنفوش الذى يبدو أنه قاضي المحكمة: "سوف نحاكم هؤلاء المجرمين عند الساعة التاسعة من يوم الغد، فتفضل بالحضور".

أعلن الحاجب بدء المحاكمة وأذن القاضي للادعاء بتقديم الدعوى، فشرح المدعي العام كيف أن أولئك (المجرمين) أقاموا حفلا كبيرا بمنطقة (الباكور) ابتهاجا بقضاء قطاع الطرق على دورية عسكرية إيطالية كانوا قد هاجموها وهي تقوم بواجباتها.

- "تريد أن تقول أنهم أقاموا حفل شماتة؟ من الذى منحهم الإذن بإقامة هذا الحفل؟" كذلك سأل القاضي.

- "لم يمنحهم أحد إذنا بذلك فقد أقاموه متجاهلين كل النظم والقوانين، كما لو أن البلد ملكهم". التفت القاضي نحو المتهمين وسألهم:

- "هل قمتم بالحفل الذي أشار الادعاء إليه. ولم ينتظر إجابة منهم وقال لاشك أنكم قمتم به؛ حكومة إيطاليا الفتية لا تظلم أحدا ثم استدار نحو منصة الدفاع وسأله: "هل لدى محامي الدفاع ما يقوله؟" فأجابه :

- "لا أملك إلا طلب الرحمة لهم لأن احتفالهم لم يكن حفل شماتة وإنما ابتهاجا بقدوم شهر رمضان والأمر كله بين يديكم. كذلك قال المحامي ثم جلس. مال القاضي علي التوالي نحو مستشاريه ثم قال:

- "حكمت المحكمة حضوريا بإعدام كل من الشيخ بوحليقه، وأيضا أحمد المحجوب، وكلاهما من سكان منطقة توكره لأنهما نظما حفلا علنيا بمناسبة قتل المتمردين لعساكرنا حيث غدروا بهم وفاجأوهم وهم يقومون بواجباتهم في حفظ الأمن بمنطقة الباكور وتطهيرها من قطاع الطرق. على الجهات المختصة بتنفيذ الحكم رميا بالرصاص صباح يوم الغد الموافق 23. 1. 1914 بمنطقة البركة، بالمكان المخصص لتنفيذ الأحكام "نقر المنضدة بمطرقته الخشبية: "طق" واستطرد: "رفعت الجلسة".

(2)

- "الشيخ بوحليقة"، كذلك نادى الضابط المكلف بتنفيذ الأحكام على أول المتهمين فتقدم شيخ هرم ووقف أمامه، فقرأ الضابط عليه حيثيات الحكم ثم طلب منه أن يتجه نحو حفرة ويقف أمامها في مواجهه الجنود المصطفين" فمشى الشيخ بوحليقة، الذى كان يلف رأسه بقماشة حمراء، كما لو أنه يتنزه " ثم وقف كما طلب منه أمام الحفرة مباشرة.

صوب الجنود بنادقهم نحو صدره ثم أفرغوا رصاصهم فيه، بعد أن أمرهم الضابط بذلك فسقط – رحمة الله في الحفرة المعدة أساسا كقبر له. ثم نادى الضابط على المحكوم الثانى:

- "أحمد المحجوب" فبرز شيخ آخر طاعن في السن واتجه متهالكا نحو الحفرة الثانية المجاورة للحفرة الأولى التي سقط فيها الشيخ بو حليقة، وفجأة اتجهت الأبصار نحو شخص صاح من بين الجموع:

- "سيدى. انتظر من فضلك" كان المتكلم هو ذلك الصحفي الإيطالي الذى حضر المحاكمة قال: "إن هذا الرجل ليس هو الشخص الذى حضرت محاكمته يوم أمس لابد وأن ثمة خطأ ما؟"

استفسر الضابط من المحكوم عليه وضيق عليه الخناق فاعترف الشيخ بأنه أنتحل شخصية المحكوم عليه بالإعدام!.

- "لماذا؟" صرخ الضابط متعجبا "أتنتحل شخصية رجل سوف يعدم؟. أكنت تعرف أنه سيموت اليوم؟" فأجاب الشيخ بثبات.

- "نعم أعرف ذلك" فسأله: "ولماذا تقوم بذلك؟ " سأل الضابط مستغرباً، فأجابه: "لم يعد في عمرى الكثير، والمحجوب مازال شاباً يافعا يحتاجه وطنه وتحتاجه أسرته فإن فديته اليوم فالجنة ستكون مثواي، ويفوز هو بحياته ويفوز وطني به، وتفوز أنت بتنفيذ واجباتك فنفذ أطال الله عمرك. "قال الشيخ وهو ينظر في عيني الضابط مباشرة.

- "ما اسمك؟" سأل الصحفي الذى كان واقفا مع الضابط فأجابه: "سليمان بوشيرق".

أمر الضابط بإحضار المحكوم عليه الحقيقي ونفذ فيه الحكم وأعيد سليمان إلى السجن، أما الصحفي الذى كتب القصة فقد سمعه الحاضرون وهو يقول في (نفسه) :"إن بلدا إيمانها مثل إيمان سليمان بوشيرق، لن يسودها أحد مهما بلغ جبروته ومهما أحكم عليها قبضته" وقرر أن يوثق هذه القصة بكتابه، وقد فعل.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : bazama

    9.03.2017 الساعة 08:07

    اعتقد ان حكم الدوتشي بدا عام 1922 وان عمر المختار قاد وبرز اسمه بعد عام 1922 وخروج السيد احمد الشريف عام 1918 .