لا وطن بدون مواطنة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

كثر الهمز واللمز بعد ما حدث من جدل حول قرار منع سفر الليبيات دون سن الستين دون محرم، وربط الكثير من المزايدين هذا الجدل من قبل مواطنات ومواطنين حريصين على حقوق المواطنة الواردة في الإعلان الدستوري، بالتعدي على الجيش الوطني، رغم أن نقد القرار كان موجها تجاه إجراء محدد يتعلق بحقوق المواطنة والتي كانت الهدف الرئيسي لانتفاضة فبراير ضد النظام السابق. تلك الانتفاضة التي قامت والشعب يعيش في أمن وفي دولة من أرخص الدول في أسعار الغذاء والوقود، لكن مطلب الدولة المدنية والدستور والحقوق كانت هي المحرك الرئيسي لانتفاضة فبراير.

أرفض هذه المزايدة، أو استخدام دم شهداء جيشنا الوطني كشعار لقمع الحريات التي ضحوا بأرواحهم من أجلها، شهداء هذا الوطن منذ عام 1911 وحتى الآن.

حين بعث لي مزايد على الخاص رسالة تتهمني بأني ضد الجيش، رددت عليه أني كتبت أكثر من 20 مقالة ونشرتها تدعم وتدافع عن الجيش الوطني وحربه المقدسة، لكن ليس ذنبي أن لا تقرأ كل هذه المقالات، وتقرأ سطرا واحدا أحتج به على قرار يتهم نصف المجتمع الليبي من النساء الأقل من ستين سنة بالتآمر على الأمن القومي، ومضطر أن أعيد هنا مقاطع من بعض تلك المقالات، على سبيل المثال لا الحصر، كرد على هؤلاء المتاجرين بتضحيات جيشنا الوطني، مع العلم أني أكتب هذه المقالات وأنا لم أخرج من ليبيا، ولم تطأ قدماي طيلة حياتي دولة غربية (ولا أفخر بذلك) أكتبها وبيني وبين الجماعات المعادية للجيش 10 كيلومترات فقط.

وللعلم هذه المقالات حققت نسبة أعلى قراءة في بوابة الوسط، وتجاوز عدد قراء المقالة الـ 140 ألف متصفح في موقع 218، كما بعث لي محرر الموقع الإحصائية.

ولو كنت عسكريا سابقا لكنت في الجبهات مع الجيش دون تردد، ولكني أفعل ما أعتقد أني أجيده، وهو الدفاع عنه إعلاميا وثقافيا، ليس من منطلق جهوي لأنه لو كان هذا الجيش قد تشكل في الغرب الليبي أو الجنوب لكنت معه، وليس حنينا إلى الحكم العسكري، لكن بقناعة راسخة أن لا دولة يمكن أن تقوم دون جيش مهني محترف، يحمي المواطن وحدود الوطن:

من مقالة (حبوا جيشكم أيها الليبيون) بموقع 218 بتاريخ 6 أغسطس 2016
"في خضم كل هذا العبث والغباء، والغباء المضاد، ما عاد يعنيني سوى الجيش الليبي الوطني، الذي يتشكل في الشرق وفي مناطق أخرى من الغرب، وحين أقول الجيش فإني أعني كل العسكريين الذي يحملون أرقاما عسكرية ويتقاضون مرتبات من واقع انتمائهم لمؤسسة الجيش، وما عدا ذلك لا يمكن أن يكون إلا نوعا من الميليشيات، أو بالأصح العصابات. ما يعنيني هو الجيش الذي تأسس أو أعيد تأسيسه بناءً على قرار من مجلس النواب المنتخب من قبل الليبيين وفق الإعلان الدستوري والمسار الديمقراطي، وما عدا ذلك فكل حامل للسلاح خارج الشرعية يعتبر متمرداً، وينطبق عليه ما ينطبق على المتمردين في شتى بقاع العالم.

حبوا جيشكم أيها الليبيون مثلما تفعل المجتمعات الحديثة التي قطعت أشواطا في الديمقراطية، حبوا جيشكم، لأن هذا الحب يغير تلقائيا عقيدة هذا الجيش، فيصبح حارسا للوطن ومرتبطا بأمن الناس وليس بالنظام، ودون هذا الحب لا يمكن لدولة أن تصمد في وجه الرياح.
الثورة من الممكن أن تجتث حزبا كان يحكم لكن لا يمكن أن تجتث جيشاً، لأن اجتثاث الجيش يعني اجتثاث الوطن، ومن يعتقد أن الجيش مؤسسة من الماضي مرتبطة بالنظام فهو لا يعرف تاريخ الجيش الليبي ولا عقيدته الوطنية ولا معاناة أفراده أو ضباطه فترة النظام السابق من الضنك والتهميش.

حبوا جيشكم لأن البديل ميليشيات مسلحة والميليشيا عصابة والعصابة لا يهمها سوى مصلحة وأمن أفرادها، ولأن البديل فوضى عارمة ووطن منتهك ومواطن خائف.

من مقالة (لبنان يا ليبيا) المنشورة ببوابة الوسط 5 سبتمبر 2016
أهمية الجيش الليبي الوطني أيضا تكمن في أنه يتكون من كل جهات وأقاليم ومدن وقرى وإثنيات ليبيا، وضباطه على مدى الوطن تربطهم علاقات مهنية وثيقة واحترام متبادل . لكن الساسة، كما يحدث في لبنان، هم من يعملون على تفريق هذه القاعدة العريضة للجيش، والساسة، كما في لبنان، تقف وراءهم مصالح شخصية وأجندات دولية أو إقليمية، والمحصلة؛ جيش وطني موحد، حتى ولو كان ضعيفا، أو على طريق الترميم، هو الضمانة الوحيدة للدولة من الإرهاب ومن التقسيم ومن الحرب الأهلية، وحين تتحقق هذه الضمانات يمكن للمسار الديمقراطي أن يأخذ طريقه، ويمكن لنا أن نتعلم أبجديات الديمقراطية وأن نجري انتخاباتنا فوق أرض موحدة وآمنة ومحمية الحدود.

من مقالة (عن سرت والجيش والمجلس الرئاسي" المنشورة بموقع 218 بتاريخ 5 مايو 2016)
"حين بدأت معركة الكرامة التفت حولها قبائل الشرق، نفسها القبائل التي توزعت إلى أدوار مقاومة سميت باسمها، فترة الاحتلال الإيطالي، والتي دفعت ثمنا باهظا في معتقلات الفاشية الشرسة التي أقيمت في منطقة قاحلة أصبحت تسمى الآن الهلال النفطي، وجاء التفاف القبائل والمدن حول هذه المعركة بعد أن عاشت المنطقة اغتيالات لنخبها؛ من الضباط والجنود والقضاة والإعلاميين والنشطاء المدنيين، في عملية تصفيات واسعة قادها مسلحو الدروع والجماعات المتطرفة برعاية ودعم المؤتمر الوطني الذي سيطر عليه الإسلام السياسي متمثلا في جماعة الأخوان والجماعة المقاتلة... فكانت هذه المعركة دفاعا عن النفس بدايةً، وسرعان ما تحولت لعملية مزدوجة تتمثل في جمع شتات الجيش الليبي الذي هُمش إبان نظام سبتمبر وفُكك إبان نظام فبراير، وتتمثل أيضا في محاربة تنظيم داعش ومنعه من التوسع. لذلك فهي معركة وطنية أهدافها: إعادة تكوين الجيش الليبي الذي كم كان حلما لليبيين وهم يشعرون أن وراء استقرار جارتيهم، مصر وتونس، مؤسسة عسكرية وطنية مهنية. والهدف الثاني محاربة الجماعات الإرهابية ومنع توسعها في ليبيا كما حصل في العراق وسوريا، والهدف الثالث إجهاض مشروع جماعة الأخوان للسيطرة على ليبيا وتحويلها إلى ممول دائم للتنظيم الدولي الذي بدأ ينشط في عديد المناطق ويحتاج إلى دعم كبير لا يتوفر إلا في دولة نفطية مثل ليبيا"..

الجيش أساس لبناء الدولة، لكن لا يمكن اختزال الدولة في جانبها الحربي، لابد للحياة المدنية والحقوق أن تتقدم بموازاة تحقيق الأمن، ففي الضفة الغربية مثلا يتمتع المواطن من قبل سلطته الفلسطينية بحقوق حرية التعبير والعصيان المدني والتظاهر ضد السلطة احتجاجا وهو في أرض محتلة ومحاصر ويتعرض للقتل يوميا من قبل المحتل، كما أن الإرهاب الذي ينتشر في دول المنطقة كلها لم يؤد بتلك الدول إلى إجراءات من قبيل منع سفر فئة أو تعميم تقنين السفر للمواطنين لأن مهمة وجود أجهزة أمنية واستخباراتية تحاشي تعميم السلوكيات الفردية صونا لحقوق المواطنة التي وطن بدونها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات