سيكون بعد «فرار نوار»

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

انطلقت الرصاصات الأولى في البيضاء يوم 15 فبراير. في مقهى الديوان همست في أذن صديقي المرحوم إدريس المسماري، قبل أن يعلو صوته في الليلة التالية: "الشعب يريد إسقاط النظام". قلت له: "نحن لا نحتاج إلى ثورة، لأننا لسنا مؤهلين لها. نحن نحتاج إلى إصلاحات فقط". كان معنا الفنان التشكيلي محمود الحاسي. ولقد وثق إدريس هذه الحادثة في كتابه - ص65 - ولم أغادر المقهى أبدا، ولم أذهب إلى ساحة الحرية، لأنني لا أحب الصراخ، ولم أذهب إلى أي جبهة ليس لأنني (كهل) ولكن لأنني لا أحب الرصاص ولا الدم، ولا أستطيع أن أذبح ديكا، واعتدت ألاّ أغادر غرفتي يوم الذبح في العيد الكبير، إلاّ بعد أن يعبق الشارع بروائح الشواء، يعني بعد العصر.

أنا لا أحب أن أرى رصاصة تثقب صدر كائن من كائنات الله، فما بالك بصدر خليفته في الأرض. ظللت في مطعم الديوان تحت صور الرياس والأسـمـاك، ولكن بعدما بـدأ الرفاق يجتمعون في الجامعة الدولية، التحقت بهم وهناك صرت شاهد عيان على اختيار مصطفى عبدالجليل رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي وقرأت الفاتحة معهم، وبحضور نخبة، ذكرت أسماءها في مقالات سابقة، وموثقة بالصوت والصورة. وتواصلت الاجتماعات والمحاضرات، ورحلت إلى مصر يوم 19 مارس، عندما وصول رتل كتائب القذافي مشارف بنغازي ولـم أعـد إلاّ بعد ستة أشهر، حضرت اجتماعا لجماعة الدعم والمشورة، لأنني للأسف الشديد، أحد مؤسسيها، وطلبتُ مداخلة وسمح لي بها، وعندما بــدأت حديثي قاطعني مدير الجلسة: "الصفة يا أستاذ؟" وعندما التفت نحوه، اكتشفت أنه لم يكن معنا من البداية، وانتبهت إلى أنه كان أحد رفاق الجامعة، تبسمت له ولكنني حرت، فيما أقول له، فليس لي صفة مهنية، ولا أكاديمية، ولا وظيفية فترددت ولكنني تذكرت الأسماك، فأجبته: "طباخ.. تخصص أسماك" ضحك الحاضرون، من الذين يعرفونني وضحكت معهم لأنني أحسست فعلا أنني طباخ، ولكن ليست كل طبخة جيدة! وتركت كل شيء، وعدت إلى مصر بعدما بدأ ناس لا أعرفهم يقتنصون بالرصاص الذين أعرفهم. ولم أعد ثانية، ومر فرار مرات ومرات وما زلت أنتظر النوار.

سيكون بعد فرار نوار، وإن كنت لا أعرف، لا أعرف بعد أي فرار

كتبت بتواصل خمس سنوات مقالا أسبوعيا في الغالب عن أزمة ليبيا، وأصبحت محلالا سياسيا على الرغم من أنني أخبرتهم أنني كاتب متابع فقط. ولعل أفضل ما قمت به طوال هذه الفترة هو ترجمتي لكتاب الثورة الليبية وتداعياتها، وهو الذي نشر على حلقات أسبوعية بصحيفة الوسط، التي تعمد رئيس تحريرها أن يبرزه بالألوان لأهمية المعلومات التي ذكرها الكتاب، وكتبت مقالا عنه وقلت فيه إنه تاريخنا وينبغي أن نراجعه لأنه سوف يصبح مرجعا، قد ينقل منه مؤرخ من (كوالا مبور) وقد ينقل منه مؤرخ ثان من المكسيك.

فإذا كانت المعلومة ليست صحيحة فلا يستطيع أي وزير في أية حكومة ولا قائد كتيبة ولا ميليشيا، ولا حتى رئيس أي حكومة من حكوماتنا أن يعترض لأننا لن نكون لا في حالة حرب ولا في حالة ترقب لوفــاق.. سنكون تحت الـتـراب، ولا نستطيع تصحيح ما يكتبونه عنا. فما زال الناس ينقلون عن هيرودوت وليون الأفريقي اللذين لا نستطيع أن نجزم إن كان ما كتبوه حقيقة أو خيالا. لقد حاولت بالسبل كافة أن أصحح ما أنا شاهد عيان عليه، أو أن أتصل بمن أعرف ليدقق ويصحح. فهذا تاريخنا إن توافقنا أو لم نتوافق.

أمر ثان غاية في الأهمية: أعترف بأنني لم أفهم الديمغرافيا الليبية إلاّ بعد أن أتممت هذا الكتاب، وما عرفت مواقع العديد من المدن الليبية ولا سكانها ولا أصلهم أو فصلهم، ولا صراعاتهم الماضية ولا الحالية إلاّ بعد أن قرأت هذا الكتاب. لم أسمع من قبل عن عدد كبير من أسماء القبائل الليبية ولا أين أراضيها، ولم أعرف حجم قبيلة التبو، مثلا، ولا الطوارق، إلاّ من هذا الكتاب. ولو أنه بمقدوري لجعلته من الكتب الدراسية للمرحلة الثانوية. فهو يتناول أرضنا، وتاريخنا و(فبرايرنا) وتداعياته بعيون كتبت ما رأت وما قرأت من دون مراجع عنا.

هذا فبراير آخر وما زلنا ننتظر النوار، ألاّ يقول أجدادنا: "ما بعد فرار نوار". ولكنني أقول سيكون بعد فرار نوار، وإن كنت لا أعرف، لا أعرف بعد أي فرار.
كل عام وليبيا بخير .

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات