أشداء على بعضهم لطفاء مع الأجانب

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

في أحد الحوارات مع المندوب الأمريكي إلى ليبيا، جوناثان واينر، في قناة فضائية، قال معلقا على مشاكل الحوار الليبي ما مفاده، الليبيون لطفاء جدا معنا، فلماذا لا يكونون لطفاءَ مع بعضهم البعض؟!. وحقيقة لم أسمع إهانة لليبيين أكثر حدة من هذا الهجاء الدبلوماسي للمشاركين في الحوار الذي يمس الشخصية الليبية بصفة عامة.

ندرك جميعا ما حدث في ليبيا من صراعات، كان لابد منها بعد سقوط حكم دكتاتوري عتيد، وبعد أن ترك مساحة جغرافية شاسعة وشاغرة من كل ما يمت لمفهوم الدولة الحديث بصلة، فضلا على المليارات، فوق الأرض وتحتها، التي أسالت اللعاب، وأشعلت في مجملها فتيل الفتن والصراعات، بعكس ليبيا إبان استقلالها حيث كان الفقر حاميها من كل هذا التكالب، ومن هذه الأطماع التي نشهدها الآن من الداخل ومن الخارج.

الحكمة السياسية والنزاهة الوطنية تفرض علينا أن نلتقي ونتحاور مباشرة مهما كانت الصعاب

نعم حدثت صدامات دامية وحدثت ملاسنات مؤذية، لكن ما أهمية الحوار إذا لم يستطع استيعاب كل ذلك، وما أهمية قيمة مثل التسامح إذا لم يكمن نبلها في التنازلات السخية من أجل حقن مزيد من دماء الأخوة ورفع المعاناة عن الشعب الذي يتحدثون باسمه غيباً.

يخطر ببالي كل ذلك وأنا أتابع صعوبة أو استحالة اللقاء بين المشير خليفة حفتر والسيد فائز السراج، بينما هما يلتقيان وفي دول عدة بكل من يهمه أمر ليبيا أو لا يهمه، بل شهد الزمن القريب والبعيد لقاءات تاريخية بين أشخاص فرقت بينهم عقود من الدماء، آخرها اللقاء التاريخي بين الرئيس الكولومبي، وزير الدفاع السابق، ورئيس منظمة فارك المتمردة، بل حتى مسؤولو السلطة الفلسطينية يلتقون مرارا بمسؤولي الصهاينة ويسلمون عليهم ونحن نعرف أن ما بينهم اغتصاب أرض ومجازر وتشريد شعب. فماذا حدث لليبيين؟ وكيف استطاعت هذه السنوات أن تفرز كل هذه الكراهية وكل هذا الجفاء؟.

الحكمة السياسية والنزاهة الوطنية تفرض علينا أن نلتقي ونتحاور مباشرة مهما كانت الصعاب، وتفرض علينا أن لا نكون تحت رحمة وسطاء لا نعرف نزاهتهم في نقل الرؤى المتبادلة ولا نعرف نواياهم الحقيقية.

كلنا نعرف أن ثمة جماعات إرهابية لا علاقة لها بالحوار أو لا تفاوض معها، وأن ثمة من يدعمها مباشرة، لكن حين أتحدث عن المشير وعن السراج فإني أدرك أن لا هوة سحيقة بينهما، وأن ثمة خلافات واختلافات يمكن الحوار حولها من أجل مستقبل ليبيا، ولأن الأزمة بدأت تدور عبر هذين الإسمين باعتبارهما داخل دائرة الشرعية التي أفرزتها الانتخابات أو مخرجات الحوار السياسي.

أهمية المشير في كونه على رأس مؤسسة عسكرية تشكلت بناء على قرار من مجلس النواب الشرعي، وفي كونه يخوض حربا على الجماعات الإرهابية، بمعاضدة قطاع كبير من القوى الاجتماعية الليبية، ويعمل على إعادة هيكلة جيشنا الوطني الذي تم التآمر عليه منذ عقود وليس بعد فبراير فقط.

وأهمية السراج في كونه نتاج ملحمة طويلة من الحوار الذي شاركت فيه كل الأطراف الليبية، وأفضى إلى اتفاق سياسي تمت الموافقة عليه من قبل مجلس النواب بشروط، وهذه الشروط هي التي يجب أن تكون محل الحوار، والحوار السياسي لابد فيه من تنازلات من كل الأطراف وإلا لن يكون سوى حوار طرشان.

لقد أعلن المشير أكثر من مرة أنه ينأى عن العمل السياسي، لكن الظروف على الأرض فرضت أن يكون طرفا، خصوصا مع هذا الشلل الكبير الذي يمر به مجلس النواب وضعف أدائه السياسي الناتج عن ضعف كبير فيمن اختاره من مستشارين سياسيين له، إضافة إلى أن السبب الرئيسي في تعثر منتج حوار الصخيرات كون معظم المشاركين فيه مجرد هواة اجتماعات باحثين عن دور ولا تأثير لهم على الأرض.

ما عدا المستفيدين من هذه الفوضى، إلا أن الجميع مع الجيش وقياداته التي فعلت المستحيل من أجل إعادة تشكيله بعد أن عبثت به الأجندات الداخلية والخارجية، وكل الليبيين يعرفون أن لا دولة يمكن أن تقوم، ولا سلطات تنفيذية أو تشريعية أو قضائية فاعلة، بدون وجود جيش وطني يشكل حماية لكل هذه السلطات ومناخا صالحا كي تعمل فيه، وكل الليبيين يعرفون أن جيش ليبيا الأول تشكل قبل الدولة بعشر سنوات، وكل الليبيين ـ ما عدا المستفيدين من الأزمة ـ يعرفون أن لا وحدة لليبيا ومؤسساتها إلا بجيش موحد يحمي حدودها ويحمي مؤسساتها الحيوية، ولا يتدخل في الشأن السياسي إلا حين يتعلق الأمر بالأمن القومي.

لابد أن يتجاوز الليبيون الوطنيون ألاعيب الذين لا يريدون للوطن خيرا ويلتقوا كي يسحبوا البساط من تحت أقدامهم

لذلك فأي مبادرة تمس الجيش ستمس الليبيين وحلمهم بالدولة، بل وتعيدنا إلى مربع اللادولة الأول. لابد أن يتجاوز الليبيون الوطنيون ألاعيب الذين لا يريدون للوطن خيرا ويلتقوا كي يسحبوا البساط من تحت أقدامهم، وإلا سنستمر ردحا من الزمن ونحن نتحاور مع كل عابر ولا نتحاور مع بعضنا البعض، تاركين فرصة للوسطاء كي يتحكموا في مصيرنا، وتاركين الفرصة لهذه الهوة بين أقاليم ليبيا كي تزداد وتكون سحيقة.

وللساسة قدوة في أعياننا وحكمائنا وعقلائنا الذين استطاعوا بالحوار المباشر أن يخمدوا نار الحرب والفتنة في أكثر من مكان من ليبيا، دون أن يستخدموا وسطاء، أو يقسموا أطراف الصراع التي يسيل بينها الدم إلى غرف مفصولة.

على جميع الأطراف أن تنصت إلى رغبة الشارع الليبي الذي كل مرة يصدمه تعنتها وفشل التقارب بينها، وحين أقول الشارع الليبي فإنني أتحدث من قلبه وأعرفه جيدا، الشارع الليبي ليس الذين يقيمون في الفنادق الفارهة أو من يتحدثون يومياً في القنوات أو مواقع التواصل ويزيدون الطين بلة لأنهم مستفيدون من هذه الأزمة، بل هم الأغلبية الهائلة من القابعين في الطوابير الطويلة، واليائسين الذين لا صوت لهم منذ أن وضعوا صوتهم في صناديق الاقتراع، والذين لا تعرف هذه الأطراف رغبتهم فعلاً، والذين لم يُستفتوا أبدا على مستقبلهم أو تُستطلع أراؤهم، أولئك اللطفاء فيما بينهم الذين لولا هذا اللطف والتراحم لماتوا جوعا دون أن يعلم الساسة أو يهتمون.
هذا الشعب الذي مر بقرن كامل قاس من الجوع ومن الخوف ومن الدماء، والذي يعيش الآن ظروفاً هي الأسوأ في تاريخه بعد معتقلات الفاشية، يستحق بعض التنازلات ويستحق كل الاحترام.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات