ركن العامرية.. عيد العشاق رائع

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

في عام 1927 لبست جدتي فستان الزفاف الأبيض اللون في عرسها الذي أقيم بمدينة درنة الزاهرة، وفي نفس العام في بنغازي العامرة اكتفت جدتي الأخرى باللباس التقليدي في حفل زفافها، وما كان ليفوتني سؤال جدتي البنغازية عن سبب عدم ارتدائها للفستان الأبيض، فنظرت صوبي ضاحكة وقالت «ما كنّا نعرفوه يا فديوة». ولم تزد شيئًا، فلم تقل مثلًا أنه ليس من عاداتنا الأصيلة، أو أنه من الأفكار المعلبة المستوردة أو حتى أنه تشبه بالنصارى، والدليل على صدقها أنه وبعد عرسها بعشرين عاما ألبست إبنتها فستان الزفاف الأبيض.

وبالعودة لفستان الفرح، فاللافت أنه ورغم ارتباط اللون الأبيض بالحزن في معتقدنا الشعبي الليبي، ربما لأنه اللون الذي تلبسه الزوجة (الرابط) على زوجها، إلا أنه تم التغاضي عن هذا الأمر وآثرت العروس الليبية مجاراة هذا الطقس الغربي بحذافيره، بما فيه دبلة الزواج وباقة الورد والخمار المسمى طرحة، وعلى ذكر الطرحة فهي طقس وثني من أيام الإمبرطورية الرومانية.

في العصر الحديث، كانت الملكة فيكتوريا البريطانية أول من وضع تقليد ارتداء فستان الفرح الأبيض عام 1840، لبسته أبيض ربما تيمنًا بلباس طقس التعميد الأبيض الخاص بالأطفال، الذي يقام في الكنائس المسيحية، ومن يومها بات هذا التقليد ليس فقط تقليدًا بريطانيًا، وإنما انتشر ليشمل أنحاء أخرى كثيرة من العالم في تشابه مع تقليد شجرة الكريسمس، الذي لم يكن رائجًا في بريطانيا إلا بحلول عام 1800 ليصبح الْيَوْم جزءا من مورثهم الشعبي، فالمسيحية لم تدعُ للاحتفال بعيد الميلاد بالشجرة، تمامًا كعاداتنا التي لا ترتبط في معظمها بديننا الإسلامي رغم ادعائنا عكس ذلك، وهكذا هي العادات والتقاليد، في مجملها فكر مستورد من مختلف جهات العالم نتيجة تلاقح الشعوب وتواتر الحضارات على الأرض الواحدة.

وبالعودة لفستان الفرح، فاللافت أنه ورغم ارتباط اللون الأبيض بالحزن في معتقدنا الشعبي الليبي، ربما لأنه اللون الذي تلبسه الزوجة (الرابط) على زوجها، إلا أنه تم التغاضي عن هذا الأمر وآثرت العروس الليبية مجاراة هذا الطقس الغربي بحذافيره، بما فيه دبلة الزواج وباقة الورد والخمار المسمى طرحة، وعلى ذكر الطرحة فهي طقس وثني من أيام الإمبرطورية الرومانية، حين كانت تلبسها العروس لطرد الأرواح الشريرة، وأما الفستان الأبيض البسيط فقد لبسته العروس الرومانية تقديرًا لرب الخصب والزواج (هيمن).

وهكذا بالتقادم تصبح الفكرة الوافدة وكأنها فكرة محلية أصيلة نغرسها في أطفالنا ونحافظ عليها دون أي مراجعة. واحترامي أصدّره لروح أديبنا المرحوم النيهوم فقد تعرّض لهذا الأمر وأفاض فيه، ومن ضمن ما أشار إليه «وما دامت تقاليدنا لم تولد في بلدنا ولم تنبع من صفوف شعبنا، فإنها بالتأكيد فكر مستورد اتخذ طريقه إلينا نتيجة ظروف ثقافية خاصة، جعلت المواطن الليبي عبر محنته الفكرية يلجأ الى أية حلول يجدها في طريقه. ومحنة مواطننا أنه كان مفتقرًا إلى العون الفكري».

هكذا بالتقادم تصبح الفكرة الوافدة وكأنها فكرة محلية أصيلة نغرسها في أطفالنا ونحافظ عليها دون أي مراجعة ... وقد دلل النيهوم على أن أغلب عاداتنا الأصيلة ما هي إلا أفكار وافدة إلينا من ثلاثة آلاف عام، وتحديدًا من مدينة قرطاجنة المتأسسة على يد الفينيقيين.

وقد دلل النيهوم على أن أغلب عاداتنا الأصيلة ما هي إلا أفكار وافدة إلينا من ثلاثة آلاف عام، وتحديدًا من مدينة قرطاجنة المتأسسة على يد الفينيقيين. أي أن غالبية عاداتنا الأصيلة هي في أصلها وثنية المنبع، فعادات كثقب الأذن والأنف ولَبْس التكليلة والسوار والدملج والحدايد والوشم والقرين والحويتة، والعادات المتعلقة بطقوس الفرح و ليلة الدخلة كل ذلك مستورد في الأصل ولا علاقة له بالدِّين.

وسبب حديثي هذا هو حالنا المنكود الذي وصلنا إليه. فنحن الآن نلهث وراء صدّ أية محاولة تدخل البهجة لقلوبنا الجريحة، بحجة حراسة عاداتنا الأصيلة وتقاليدنا المجيدة وكأنها صيغت لنا وأُنزلت علينا من فوق سبع سموات. كما أن حجة التشبه بالنصارى الرائجة أضحت مبتذلة جدًا، بعد أن وضح منبع جلّ عاداتنا الأصيلة الذي تبين أنه ليس فقط مسيحي الأصل وإنما من أزمان غابرة سبقتها.

أتمنى أن نستفز بعض الخلايا الدماغية لنفكر قليلًا، فهل البدلة الرجالية والقميص وربطة العنق من عاداتنا، أم هي تشبه بالنصارى أم تراها تمشيًا مع وقبولًا لأفكار مستوردة ربما وجدناها جميلة، وهل كشف الرجل لرأسه من عاداتنا رغم أنه في مرحلة تاريخية سابقة كان القاضي لا يقبل شهادة الرجل الحاسر الرأس!.

أتمنى ألّا نسمع ونستمع لفتاوى أحباب الله الصادحة بتكفير كل من يحتفل بعيد الحب لارتباط حكايته بالمسيحية لسببين ... فليس هناك أحد ينتمي لهذا الشعب المحافظ من يحتفي بالحب لارتباطه بالدِّين المسيحي.

أتمنى ألّا نسمع ونستمع لفتاوى أحباب الله الصادحة بتكفير كل من يحتفل بعيد الحب لارتباط حكايته بالمسيحية لسببين، أولهما حتى نتخلص من كل عاداتنا الأصيلة المرتبطة بالوثنية دون أن ندري وهذا مستحيل، وثانيهما ليس هناك أحد ينتمي لهذا الشعب المحافظ من يحتفي بالحب لارتباطه بالدِّين المسيحي.

وفي الأثناء دعونا نكبر ونكّبر عقولنا ومداركنا قليلًا، فالأفكار ليست حكرًا على أحد وهي تتناسل أفكارا من أفكار في رحلة عبور لكل أرجاء المعمورة. دعونا نحتفل بالأفكار الإنسانية الجميلة التي تدخل البهجة العظيمة في النفوس بغض النظر عن عقيدة مخترعيها.

وبكلمات صادقة أقول فلنحتفل بعيد الحب، دعونا نرمي قلوب بَعضِنَا بالزهرات الحمراء بدل الرصاصات السود، دعونا نشعّ بالألق بارتداء الثياب الحمراء ابتهاجًا بالعشق بدل إثخان بَعضِنَا بالجراحات الغائرة، ودعونا نحتفل بعيدًا عن التكفير والتفسيق بعيد العشاق بصوت الساهر الجميل فعيد العشاق رائع.. رائع لمن تفكّر وتدبّر.

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : دندشي

    19.02.2017 الساعة 11:54

    مرّة أخرى أشكرك سيّدة فدوى على مقالك. هل تعلمين أنّه مُنِع في السعودية بيع الزهور في المستشفيات لأن فكر رجال الدّين المستنير هناك أفتى بأنّ تقديمها للمرضى بِدعة؟؟؟ كم أفرح عندما أرى إبن عمّي المتديّن يحتفل بعيد ميلاد إبنه ولا يعبأ لفتوى أن هذا أيضا بِدعة واقتباس من الغرب. أنوّه هنا إلى الفائدة على صحة الطّفل النفسية من هكذا إحتفال وإن كان رمزياً فقط من خلال تقديم هدية له في ذكرى ميلاده. وأفضّل شخصيّا أن يقوم الطفل بإطفاء الشموع لأن هدا يُساهم (أشدّد على هذه الكلمة) في تقوية الشّعور عنده بالتحوّل والتغيير الذي يمنحه التقدّم بالعمر بدل ما نراه اليوم في الوطن العربي من شباب لم يخرج من الطفولة، شباب نزوي، لا يعرف الشعور بالمسؤوليّة، الخ، الخ، الخ.

  • بواسطة : ابوعبدالله الحمروني

    16.02.2017 الساعة 10:06

    قال النبي صلى الله عليه وسلم من تشبه بقوم فهو منهم ) نعوذ بالله من الخذلان