ثنائية الإسلام والغرب

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

في مقدمة كتابه "في الإسلام الثقافي"* يثير د. بنسالم حميش استغرابا نابها حول ثنائية الإسلام والغرب، التي تمتليء بها إصدارات غزيرة من قبل باحثين عرب وأجانب، حيث نلتقي بكتب وأبحاث تحمل عنوان "الإسلام والغرب" أو "الإسلام وأوروبا"، ومصدر هذا الاستغراب هو أن المقابلة تتم هنا بين "اسم يحيل أساسا على ديانة توحيدية هي الثالثة تحقيبيا (الإسلام) وبين اسم لقارة محددة المعالم على خارطة العالم (أوروبا) كما هي الحال مع قطب جغرافي (الغرب)" (ص 9). أي أن المقارنة هنا بدلا من أن تتم بين شئيين من نفس النوع، دين ودين، أو منطقة جغرافية ومنطقة جغرافية أخرى، تتم بين شئين من طائفتين مختلفتين، بين دين وجغرافيا. ويرى د.

حميش أن خضوع الباحث في الإسلاميات لهذا التقابل سيجره "إلى إضفاء أو حمل صفة ’’إسلامي’’ على كل ما يتحرك وما لا يتحرك، وعلى الأنسقة السيميائية وربما بالمماثلة على ما وجد من فنون تشكيلية وتمثيلية وغنائية، إلخ." (ص 9). ومن وجهة نظر د. حميش فإن هذا يؤدي إلى تغليب التراث الديني بالمعنى الحصري وحجب الجوانب الثقافية الأخرى أو، بتعبيره "قد يتمخض في الواقع عن تجاوزات عسيرة وخلط بين مواقع ومستويات ليست من طبيعة واحدة أو مادة متجانسة." (ص 9). لذا التفت د. حميش في بحوث كتابه هذا إلى الجانب الثقافي في الإسلام تمييزا له عن "التراث ذي القوام الديني" والإسلام السياسي. ونحن نشاطر د. حميش استغرابه كما نتوافق معه في مخاوفه ونثمن اجتهاده وجهده.

لا شك أنه توجد في الغرب تيارات ومنظمات، وحتى أحزاب سياسية، مسيحية لكن المسيحية لم تعد موجها للسياسة في دول الغرب والحياة العامة هناك

بيد أنه، بعد تأمل المسألة بحيادية، زال عنا هذا الاستغراب، ورأينا أن التزام البحاث المعنيين بهذه المقابلة له ما يسوغه. إذ باستبعادنا نظرية المؤامرة ودعوى العداء للإسلام، نعتقد أن سبب تمسك الباحثين في الإسلاميات بثنائية الإسلام والغرب يكمن، أساسا، في أن هذه الرقعة الجغرافية المتصلة التي يسميها أهلها، وبالتالي يسميها الآخرون أيضا، "العالم الإسلامي" تقدم نفسها للعالم وتعلن عن هويتها باعتبارها "مسلمة" أو "إسلامية" أو منطقة "مسلمين" أو "إسلام". وهي تُعتبر في هذا، إذا ما استثنينا الكيان الصهيوني، المنطقة الوحيدة في العالم التي تعرف نفسها دينيا. فلم يعد من الموضوعية تسمية أوروبا، أو الغرب عموما، بالعالم المسيحي، لا من قبل أهله ولا من سواهم. ولا يمكننا أن نقول مثلا "المسيحية والوطن العربي" أو "المسيحية والعرب" أو "المسيحية والعالم الإسلامي" إلا إذا كنا نتحدث في إطار تاريخ سابق أو عن وجود المسيحية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي.

لم تعد أوروبا، والغرب عموما، على خلاف المنطقة الإسلامية، يعرف نفسه على أساس الديانة المسيحية. صحيح أن المسيحية مكون من مكونات هوية الغرب، لكنها أضحت مجرد عنصر من عناصر الهوية، مثلها في ذلك مثل الفلسفة اليونانية.

لا شك أنه توجد في الغرب تيارات ومنظمات، وحتى أحزاب سياسية، مسيحية، لكن المسيحية لم تعد موجها للسياسة في دول الغرب والحياة العامة هناك. والجماهيرالمؤيدة للمنظمات الأصولية المسيحية في الغرب لا تؤيدها باعتبارها مسيحية، وإنما لبرنامجها السياسي الذي هو برنامج اليمين الغربي المشبع بالعنصرية إزاء كل ما ليس غربي. وهذا ينطبق أيضا على الهند التي لا تقدم نفسها إلى العالم على أساس أنها هندوسية، وعلى اليابان وفييتنام اللتين لا تعرفان نفسيهما على أساس الديانة البوذية.

زد على ذلك تنامي الحركات الإسلامية المتشددة والمتطرفة التي تعادي الغرب من خلال رفع راية الإسلام. من هنا نرى أن التمسك بثنائية الإسلام والغرب يستند على معطيات موضوعية ومبررات قوية، وأنها ستدوم ما دامت المنطقة المعنية تختزل كامل هويتها في الإسلام، أي في الدين. وإذن، لا ينبغي لوم الآخرين على النظر إلينا حسب تعريفنا لأنفسنا.


* د. بنسالم حمِّيش، في الإسلام الثقافي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 2016

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات