قرغزِسَتان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

كان قول للشاعر الفرنسي أراغون بأن رواية "جميلة" للكاتب جنكيز ايتماتوف: "هي أجمل قصة حب في العالم" هوما أغراني بقراءتها، ومن بعده قرأت للكاتب نفسه رواية (النطع) التي تقول من خلال فلسفة الكاتب "أنه لا يوجد حياة، ولا إبداع أو فن خارج حالة صراع الإنسان والإنسان". أما قصة "الكلب الأبيض الراكض على حافة البحر"، وهي من القصص التي تصنف ضمن أدب البحر، على نمط رواية هيمنجواى العجوز والبحر ولكن برؤية التقطت من زاوية أخرى، مفادها العلاقة الوثيقة بين الجماد الذي يجعله الإنسان جزءا فعالا في الحياة حتى يصير مهما للحياة نفسها، ولعل ذلك يتضح لنا عندما يعطي القارب مدلولا إنسانيا ويخاطبه قائلا: "أنا أحبك، وأثق بك يا أخي القارب، أنت تعرف لغة البحر، وتعرف عادات الأمواج، وهنا تكمن قوتك، أنت تجلب لنا التوفيق، لهذا أحترمك".

ولكن ما أود تناوله في هذه المقالة ليس الكاتب إيتماتوف، ولا رواياته وإنما بلاده، التي لم أسمع عنها مطلقا من قبل، فنحن نعرف أنه كاتب من الاتحاد السوفيتي ونال جائزة لينين، ووسام لينين، وقائمة طويلة من التكريم السوفيتي، حتى إنه يعد من أبطال العمل الاشتراكي.

إيتماتوف مواطن من دولة اسمها (قِرغيزِسَتان) عدد سكانها حوالي 6 ملايين نسمة، مساحتها 199 ألف كيلومتر مربع أنعم الله عليها بمخزون مائي يقدر بحوالي 7100 كيلومتر من المياه العذبة الصالحة للاستهلاك البشري وبامتياز، وهي دولة مسلمة جدا وسنية جدا، منذ سنة 751 ميلادي بعدما انتصر العباسيون على (أسرة تانج الصينية) وانتشر الإسلام في وسط آسيا، أي بعد حوالي 100 سنة فقط من وصول الإسلام إلى ليبيا في عهد والي مصر عمرو بن العاص.

أثناء القلاقل التي صاحبت لملمة دولة قيرِغيزِستان هاجر الكثيرون واهتموا بدينهم ودولتهم ووجهوا العديد من أبنائهم للدراسة

وذلك يعني، وباختصار شديد، أن قرِغيزٍستان تشبه إلى حد كبير ليبيا، الفرق فقط في التضاريس وحالة الطقس؛ قيرِغيزِسَتان تتميز بجنة خضراء زرع في وسطها القيروغستانيون منازلهم فصار كل بيت مزرعة صغيرة، وفي ليبيا إن استثنينا الشريط الساحلي زرع الناس خيامهم وسط الصحراء وصار لكل خيمة أو مسكن صحراء كبيرة.

صارت قرغيزستان "الإسلامية" منذ 1/2/ 1926- المصادفة أنني أكتب هذا الموضوع فجر يوم 2 يناير2017- ضمن دول الاتحاد السوفيتي، ونظرا لجمال طبيعتها صارت منتجعا لقادة الاتحاد السوفيتي، ولعله من المفيد أن نعرف أن معظم أراضي قيرغيزستان أرضٍ صالحة للزراعة لدرجة أنها كانت مصدرا رئيسيا لمد الاتحاد السوفيتي بالمنتوجات الزراعية والحيوانية. وحتى عام 1991 كان فيها 9 جامعات وصلت سنة 1992إلى 13 جامعة، أما الآن فيبلغ عدد مؤسساتها التعليمية 52 مؤسسة منها 31 حكومية والباقي غير حكومية. وبالطبع لم يتحقق ذلك إلاّ من بعد استقرار البلاد.

العجيب أن (قرٍغيزٍستان) من بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في 26. 12. 1992، ظلت مرتبكة من دون أن تجد وسيلة بعينها لتأسيس دولة وكان عُقالها يخشون من التطرف الإسلامي، وعلى الرغم من حرصهم الشديد إلاّ أن حركات متطرفة انتظمت في وادٍ اسمه (فرغانة) مولتها باكستان، فتفاقمت أحداث دموية ما زالت الدولة تعاني منها حتى الآن. وبسبب تلك الأحداث وبسبب عدم وجود بنية دولة، وبالتأكيد جيش يحميها لم تتوانَ في الترحيب بالأمريكان للاستفادة منهم في مجالات الحياة كافة، ومن بعد أحداث 11/9/ 2011 صار لهم قاعدة عسكرية جوية في مطار (ميناس) ولم يطل الأمر حتى أسس الروس أيضا قاعدة جوية تبعد 25 كيلومترا عن العاصمة (بشكيك). ولعل ذلك يفسر لنا أن طيارين كثيرين في الخليج العربي تخرجوا في أكاديميات قرِغيزِستانية.

أثناء القلاقل التي صاحبت لملمة دولة قيرِغيزِستان هاجر الكثيرون واهتموا بدينهم ودولتهم، ووجهوا العديد من أبنائهم للدراسة، خصوصا الدينية في مهجرهم. زادت الهوة ما بين المتعلمين في الخارج والمتعلمين في الداخل وصاحب هذا ريبة وخوف من أن يكون التطرف قد تمكن منهم.

وليس هناك ما يقال سوى الحاجة من محاولة قراءة هادئة لما بين السطور، ومعرفة المزيد عن قرِغيزستان من بعد سنة 1993 فقد نستفيد من تجربتهم.
قد نستفيد. فأنا فالواقع كررت اسم قيرِغيزِسَتان ، وشكلتها متعمدا حتى لا أنسى اسمها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات