تبعية هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية الليبية؟

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

يمكن القول أنه يزداد تضييق الخناق يوميا في العالم الإسلامي والوطن العربي، على العقل والتفكير الحر. عمليا يتم عَقْلُ العقل واعتقالُه وخنقه ومحاولة إماتته كليا، من قبل تيارات إسلامية سياسية مختلفة، بما فيها تلك التي ترفع راية الوسطية والاعتدال. فأصبح يجري تكفير الفكر الحر المستقل وتكفير المفكرين الأحرار المستقلين، وبالتالي تهديدهم في وجودهم المادي ذاته بذريعة عدائهم للإسلام. نستطيع القول أن مفردة "فكر" قد ألغيت من قاموس هؤلاء وصُحِّفتْ إلى لفظة "كفر".

ولعل ليبيا في الوقت الراهن في طليعة البلدان التي تستشري فيها هذه التوجهات والممارسات المعادية للإنسانية. إذ تغلغل التيار الوهابي المتشدد (الذي يتسمى بالسلفية) في المساجد والمؤسسات التعليمية والأجهزة الأمنية ومؤسسة الأوقاف، وسيطرت التيارات والتنظيمات العنفية المسلحة على عدة مدن وأثارت الرعب.

لقد أخذ خطباء وأئمة المساجد يكفرون، من على منابر المساجد وعبر مكبرات الصوت القوية، ليس التوجهات الفكرية مثل العلمانية والديموقراطية، فقط، وإنما يكفرون، بالإسم، بعض الكتاب والمثقفين الذين يصنفونهم كعلمانيين وديموقراطيين.

الواقع أن الهيئة تسعى إلى احتكار الحرية المطلقة لنفسها بحيث تحولها إلى استبداد مطلق وتفعل بعقول الليبيين ما يعن لها

ومن الأحداث الأخيرة البارزة، المعادية للفكر والعقل، قيام أفراد تابعين إلى مديرية أمن مدينة المرج، بشرق البلاد، يوم السبت 21 يناير 2017، بمصادرة حمولة شاحنة من الكتب بدعوى أنها "كتب تخص الشيعة واليهودية وتنظيم داعش، وكتب تخص السحر والشعوذة ودواوين شعر صوفية وكتب إخوانية، ومصاحف لا تعرف جهات طباعتها وكتب إباحية وعلمانية" كما ورد على صفحتها في الفيسبوك، حسب موقع جريدة الوسط.

http://alwasat.ly/ar/news/culture/130772/. إلا أن الناطق الرسمي باسم مديرية أمن المرج أوضح أن الأمر كان تحفظا وليس مصادرة. وتعدي مديرية الأمن اختصاصاتها وضمها اختصاصات جهة أخرى إليها واضح في تصريح السيد الناطق الرسمي باسمها. إذ لو كانت المسألة إجرائية محضة يتم "التحفظ" على أية كتب دون الخوض في تصنيف محتوياتها. إذ إن هذا من اختصاص رقابة المطبوعات.

وأضاف أن المديرية اتصلت "على الفور" بهيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية "لوجود مصاحف وكتب دينية مجهولة المصدر" وأن المديرية "تنتظر التواصل مع هيئة الإعلام والثقافة لتبيان الأصناف الممنوعة من دخول ليبيا وفقا للقانون وحفاظا على التركيبة الثقافية والاجتماعية والدينية لليبيين". فالاتصال بهيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهي جهة غير ذات اختصاص أو ولاية بالمسألة، يجري"على الفور"، أما الاتصال، أو التواصل، مع هيئة الإعلام والثقافة التي هي جهة مختصة يتم انتظاره! وحتى في حالة وجود مصاحف "لا تعرف جهة طباعتها" فإن هذا من اختصاص رقابة المطبوعات وهي التي تقرر استشارة هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية أو حفظها وعدم توزيعها. ثم ما المقصود بالحفاظ "على التركيبة الثقافية والاجتماعية والدينية لليبيين"؟. وهل هذا يتم بمصادرة الكتب والحجر على عقولهم؟.

واضح أن التيار الوهابي، المتسمى في ليبيا بالسلفية أو السنة، قد ضرب جذوره في مؤسسات الدولة وشرع في فرض رؤيته الضيقة. ففي رده على التهم الموجهة إلى هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية بمحاربة حرية الفكر "أكد الشيخ موسى سالم المنصوري، الواعظ والخطيب بالهيئة، أن ما يقوله من وصفهم بـ”العلمانيين” بشأن حرية الإنسان المطلقة، أمر غير صحيح لأن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة" (العرب: 2017/02/01، العدد: 10530، ص 4). وهذا تمييع للموضوع، إذ لم يطالب أحد بـ "الحرية المطلقة".

فالحرية المطلقة فوضى مطلقة، والواقع أن الهيئة تسعى إلى احتكار الحرية المطلقة لنفسها بحيث تحولها إلى استبداد مطلق وتفعل بعقول الليبيين ما يعن لها. وأكد السيد المنصوري "أن الليبيين أنفسهم لا يعرفون شيئا اسمه العلمانية أو حرية الاعتقاد أو حرية التعبير" (المصدر السابق). وهنا ينصب السيد المنصوري نفسه متحدثا باسم الليبيين ويخرجهم من سياق الفكر البشري جاعلا منهم أعداء للعقل والفكر والثقافة. إنه، على الجملة، يخرجهم من التاريخ.

كما أن الهيئة أصدرت تعميمًا لخطبة الجمعة 3. 2. 2017 على المساجد للتحذير من العلمانيين والدساتير وقوانين البشر وعلم الفلسفة. ليس هذا فحسب، بل إنها لم تكتفِ بالشيوخ والخطباء الليبيين، فعمدت إلى استدعاء داعية وهابي سعودي يدعى أسامة بن عطايا العتيبي ”أبو عمر” كان مقاتلا في أفغانستان، ليخطب في بعض مساجد مدن ليبية محذرا من العلمانيين والصوفيين والخوارج و الأخوان المسلمين وعلوم الفلسفة...
وهو فعل يوضح المرجعية المذهبية لـ"هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية" الليبية والجهة التي تتبعها!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات