17 فبراير 2017

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

القديمُ يحتضر والجديدُ لم يستطعْ أن يولد بعد، وفي هذا الفاصل تظهرُ أعراض مرضية كثيرة وعظيمة في تنوعها - الفيلسوف الإيطالي غرامشي.

الحقائقُ الدامغة تُعتبر من البديهيات التي غالبا ما يتخطاها البحث، كما حقيقة أن الجغرافيا صانعة التاريخ، ليبيا صناعة جغرافية ولذلك هي منذ ما قبل التاريخ الفاعل الرئيسي فيها الجغرافيا ما الأقوى من فعل البشر، ليبيا تقع بين بلاد من صنع شريط مائي وبلاد جيب صغير في شمال قارة، كما هذه الحقائق ثمة حقائق ليبية على الأرض تُعطي بالظهر ونجدها أمامنا فاغرة الفاه.

كي نُعيد بناء البلاد علينا الإقرار بحقائقها فما حدث بعد فبراير من احتراب أهلي كان نتاج تلك الحقائق التي لم يلتفت إليها، وانتبه لها الجار القريب والبعيد ومنها:
أولا: النظام الفاشي الذي سيطر على البلاد رسخ ودعم الفجوة الجغرافية التي تعني أن البلاد مترامية الأطراف، وأنها ديموغرافيا قليلة السكان، فنشط في دعم المهام الخارجية للدولة في حروب صغيرة عسكرية وسياسية، حتى كان رأس النظام كما وزير خارجية والدولة ديوانها، وعلى ذلك دق مداميك التقسيم لأن ديوان الوزارة العاصمة التي باتت البلاد، وفي شطحاته الثورية هدم البنية الضعيفة لإدارة الدولة منذ ثورته الشعبية في أبريل 1973.

إذا في فبراير 2011 تم الكشف عن ذا التقسيم : أعلن في شرق البلاد الثورة وكون المجلس الانتقالي وفي الغرب دخل الجبل الغربي بقيادة مدينة الزنتان التمرد على السلطة المركزية الفاشية فيما دخلت منطقة مصراته في حرب ضد النظام ومؤيديه، حتى الآن هذه القوى التي نجحت بمعاضدة دولية تتخاصم حول الوراثة، وراثة البلاد المقسمة بين هذه الأطراف الرئيسة.

ولهذا ليبيا كما سوريا واليمن والعراق وحتى مصر وتونس أزمة شرق أوسط أو فلسطين أخرى لا حل في الأفق.

ثانيا: لما عمل القذافي على ما تقدم من تقسيم للبلاد وشل إرادتها الموحدة بضرب الإدارة لم يفته إلغاء عصب هذه الإدارة الجيش حارس أمنها والجهاز الأمني ما حوله جميعا لكتائب أمنية تحرسه ليس إلا، وعند قيام ثورة فبراير تكونت مليشيات أهلية لصد ميلشيات القذافي الأمنية، لقد انقسمت البلاد، انقسم المتقاتلون، انقسم كافة الناس، وأمسي الليبيون شعبا منقسما لبلاد مقسمة.

ثالثا: غنم الإسلام المسلح هذه البلاد مقسمة خاصة العاصمة بدعم محلي من أطراف كمليشيات مصراته وقوى إقليمية كالجزائر ودولية كتركيا وبرعاية أممية تم الاعتراف بأن ليبيا دولة فاشلة، وهذه الأطراف خرج حلفاء ضدها محليا بما عرف بمشروع الكرامة، تأسيس جيش ليبي ما أقره واعترف به مجلس النواب وحكومته حينها كانا المعترف بهما دوليا باعتبارهما الشرعيين، ثم قلب الأممي المجن لحكومة الثني عقب اتفاق الصخيرات فغدا مجلس الرئاسة المنبثق عن اتفاق الصخيرات الجهة الوحيدة المعترف بها دوليا.

رابعا : ليبيا الساعة غبَ 17فبراير 2011 بلاد مقسمة ودولة معلقة هناك السراج في طرابلس كما كان القذافي، ومجلس الرئاسة كما المجلس الانتقالي المعترف به دوليا، هناك تمرد في الزنتان عن سلطة طرابلس، هناك مصراته قوى تتكون من مليشيات ضاربة كما هي منذ فبراير 2011 منفصلة عن البلاد بكيانها، شرق ليبيا تحت قيادة جيش بقيادة خليفة حفتر، الجنوب الليبي غيب نفسه عن الحدث منذ فبراير 2011 وحتى الساعة، ليبيا في هذه الزنقة منذ ذاك بدعم إقليمي ودولي وكل الملتقيات الدولية والإقليمية والمحلية محلك سر لأنه ليس ثمة إرادة في حلحلة الوضع فكل الأطراف التي ذكرت مستفيدة حتى التو بما هو الحال عليه، وعلى أي حال فإنه في الأخير لم يقدر أيما طرف على فرض إرادته لكن كل طرف يحلم ويأمل ويعمل من أجل ذلك.

خامسا: ما تقدم مكرر في أغلب ما كتبت، ومنه مبكرا حين تبين لي تقسيم البلاد فأفصحتُ عند تفجر الموجة الكبرى ما أُطلقت ضد الجماعة الفيدرالية الصغيرة التي تعد على الأصابع : إن الفيدراليين فشلوا في توحيد ليبيا، ومنذئذ لم يطرح أي مشروع إلا الغلبة ما لم ينجح أحد في تحقيقه ولن ينجح أحد وما نرى ونسمع أضغاث أحلام، ولهذا ليبيا كما سوريا واليمن والعراق وحتى مصر وتونس أزمة شرق أوسط أو فلسطين أخرى لا حل في الأفق.

سادسا: الحقيقة المُرة أن صاحب الشأن في عراك ولذلك فليس من المعقول أن المتعاركين سيجنحون للسلم بإرادتهم الغائبة بحكم العراك، ولا ينفع تدخل طرف دولي غير جاد في حل مشكل ساهم فيها، مثلا الولايات المتحدة دفعت مئات الملايين وأساطيلها وقواها الجوية في معركة ليبيا منذ مارس 2011 والقرار الأممي 1973 حتى أغسطس من ذات العام حيث نأت بعيدا، بمعنى ما حصل ويحصل في ليبيا شاركت فيه قوى عظمى، ومجلس الأمن، والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ووووو.. ولن يُحل بغير أن تتوفر إرادة هؤلاء، شاء من شاء وأبي من أبى، خاصة من الأطراف التي تتنازع على الأرض والبعض منهم مجرد دمى "القديم الذي يحتضر، والجديد الذي لم يستطع أن يولد بعد".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات