مرعى الغزلان ودير الرهبان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

(1)
صدرت روايتي "ورده بنت شفيق" سنة 2008 وكانت عن تاريخ وآثار بنغازي الذي كان- ومازال- ينهب. وظفت لها رحيل صديقي المرحوم عبد الرحمن حويو الذي تخرج من الكلية العسكرية في منتصف ستينيات القرن الماضي، والتحق مبكرا بالكلية العسكرية في بنغازي وتخرج فيها مع الدفعة التي سبقت دفعة القذافي، ولكنه كان من ضمن المجموعة التي أبعدها القذافي مبكرا بسبب قناعاته التي تتعارض مع القذافي، لم يطل بقاؤه في ليبيا حتى باع مسكنه وهاجر إلى أسبانيا واستقر في أشبيليه إلى أن وُسّد ثراها يوم 25 أغسطس 2005. لم يغضب عبد الرحمن من أحد أو أغضب أحدا. كان طوال حياته كريما سخيا، قانعا، مسامحا ومحبا.

استقر في أشبيليا وبسبب شعره الأبيض أسموه (السنيور بيانكو) وصار من أبرز شخصيات قريته، لدرجة أن أحدهم قال أنه لو يريد أن يُصبح عميدا لبلديتنا لنال الأصوات كلها. أخبرني منذ أيام صديقي وصديقه الأستاذ مهدي كاجيجي، الذي سافر من القاهرة خصيصا ليحضر جنازته، أنه ذهب مؤخرا إلى القرية وقضى أياما في شوارعها وزار الأماكن التي كان عبد الرحمن يرتادها، قال: "الكافيتريا التي كان يرتادها يوميا ويقضي فيه معظم أوقاته، والذي علّمَ صاحبها، وهو من أقرب أصدقائه من الأسبان، كيف يجعل (القلاية الليبية) طبق المكان المميز. أن صاحبها لم يسمح لأحد أن يجلس بالمنضدة التي اعتاد عبد الرحمن أن يجلس عليها. لقد وضع فوقها أكواب وصحون عبد الرحمن المفضلة، مع إعلان بارز أنها محجوزة. لم يجلس عليها من بعد عبد الرحمن أحد غيره. واستطرد "لقد غمرتني القرية بترحيب ودفء وكأنهم يريدون أن يقولوا لي أن عبد الرحمن لم يمت".

لقد منع الفاتيكان كتبه من التداول ومنعت مدينة كريت دفنه في مقابرها ولكن أحفاد الذين نفذوا ذلك أسسوا له متحفا لمقتنياته

(2)
قرأت، بالصدفة، قصة "الرجل السعيد" للكاتب الروائي والمسرحي سومرست موم، خلاصتها أن طبيبا لم يطب له العيش في بريطانيا، سأل الروائي باعتبار أنه عاش فترة فيها، أنه يريد أن يعيش في أشبيليا، وهل بمقدوره أن يحصل على رزقه هناك؟ فأجابه:
" إذا كنت لا تريد المال، راضيا بحصولك على ما يكفيك لتحافظ على جسمك وروحك، اذهب. سوف تستمع بحياة رائعة". بعد خمسة عشر عاما مرض الروائي في أشبيليا، وذهب إلى طبيب قالوا له أنه بريطاني مقيم هنا، فحصه الطبيب ووصف له الدواء وعندما همّ بسداد أتعابه ضحك الطبيب وذكره بلقائهما في لندن؛ فسأله الروائي هل وجدت في هذا المكان ما تبحث عنه، أجابه: "كنت فقيرا وما زلت كذلك. أنا أكسب ما يكفيني، أنا بحق السماء مستمتع بنفسي، ولن أستبدل الحياة التي أعيشها الآن بحياة أي ملك في العالم". تذكرت عبد الرحمن فترحمت عليه.

(3)
"لا أطمع في شيء، لا أخاف من شيء. أنا إنسان حر". هذه العبارة كان الروائي اليوناني (نيكوس كزانتزاكس) أوصى قبل أن يموت - مات يوم 26 أكتوبر 1957 - أن تكتب على قبره. وهي مكتوبة على قبر وحيد خارج أسوار مدينة (كريت) القديمة، لأن الكنيسة رفضت دفنه في مقابر المسيحيين بسبب كتاباته، لعل أكثر ما أزعجهم هو كتابه "الإغواء الأخير للمسيح"، وإن كانت أفكاره التي يرون أنها إلحاد موجودة في كتبه كلها مثل: "زوربا اليوناني" و"الأخوة الأعداء" و"تقرير إلى (الجريكو)". النقاد يقولون أن كل ما ورد في كتبه هي بذور من كتابه "تصوف".

لقد منع الفاتيكان كتبه من التداول ومنعت مدينة كريت دفنه في مقابرها، ولكن أحفاد الذين نفذوا ذلك أسسوا له متحفا لمقتنياته، بل وصار قبره مزارا. كزانتزاكس رد على الذين منعوا كتبه من التداول بعبارة شهيرة باقية حتى الآن تقول:
"أيها الآباء المقدسون لقد قدّمتم لي اللعنة، أما أنا فأقدم لكم الشكر. أتمنى أن يكون ضميركم صافيا كضميري. وأن تكونوا أخلاقيين ومتدينين مثلي".

(4)
وخطرت على بالي أبيات، للأمام الأكبر "محيى الدين بن عربي"، الذي ترك لنا أبياته الشعرية فبحثت ووجدت أنهم صاروا يتغنون بها :
نَاوَحتِ الأرْوَاحُ فِي غَيْضَةِ الغَضا
فمَالَتْ بأفنان عليَّ، فأفناني
وجاءت من الشوق المبرّح والجوى
ومن طُرَف البلوى إلى بأفنان
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ
وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ
وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ
أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ
ركائبه، فالحب ديني وإيماني
رحم الله كل من رحل متحدا مع روح الله نقيا، صافيا، يدين بدين الحب.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات