جمهرة المواقع وغياب النخبة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

أسهمت النخبة الليبية عموما، والكاتب خصوصا، في تاريخ نضال هذا الكيان من أجل التحرر، بشكل مباشر أو عبر كتاباته، كما أسهم في تأسيس هذا الكيان الليبي منذ بدايته، وطرح الكثيرون من الكتاب والمفكرين أسئلة هامة بشأن مستقبل البلد، وبشأن واقعه الاجتماعي والسياسي.

تصادمت النخبة المثقفة مع النظام السابق، وغابت بين التصفية الجسدية، والمنفى الخارجي والمنفى الداخلي، والسجون، لكن نبض الحبر لم يتوقف، وصدرت حتى إبان النظام السابق، مطبوعات وكتب مهمة ترصد في مجملها الحلم الليبي، وتشاكس ثقافة المنظومة الدارجة بما صاحبها من تعبئة إعلامية.

ومع قمع ومنع أية تشكيلات نقابية نوعية ومستقلة وجد الكتاب الليبيون المهمومون بالشأن العام أنفسهم فرادى، كل يغني على ليبياه، وأقصى ما يستطيعونه من تجمع حلقة على طاولة في مقهى شعبي، ثم مع تقلص حجم توزيع الكتاب وحجم القراءة وجدوا أنفسهم غير قادرين على تشكيل وعي جمعي أو بيئة حاضنة لرؤاهم، ومع بداية تقنية المعلومات انخرط الكثيرون منهم، والشباب خصوصاً، في هذا العالم الجديد البعيد عن أجهزة الرقابة التقليدية معطين بظهورهم للواقع أمام الشاشات المفتوحة على العالم، وهو العالم الافتراضي الذي أسهم بشكل كبير في بداية الربيع العربي، لكن الكاتب الليبي بعد نهاية النظام وجد نفسه معزولا من جديد ومُقصىً عن أي دور فاعل وسط صخب الرصاص وضجيج الإعلام، وبعيداً، أو مبعداً،عن الصراع الذي يجري أمامه، خصوصا بعد أن أخذت هذه الانتفاضة مسارات بعيدة عن حلمه وأسئلته، عبر العنف، والصراعات القبلية والجهوية، والأجندات الداخلية والخارجية، والنزاعات الأيديولوجية الفقيرة معرفياً.

الثورات العنيفة يمكنها أن تجتث النظام من الجذور لكنها غالباً لا تفضي إلى ديمقراطية

غاب الكاتب والمثقف الليبي في هذا الزحام لأسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها، وتجدد الخطاب القديم الذي اختزله، جوبلز، وزير إعلام هتلر: كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي. الخطاب نفسه الذي تبناه النظام السابق تجاه كل ما يمت للثقافة والنقد والتفكير الحر بصلة، يزدهر الآن بعد انتفاضة فبراير وبشكل أكثر حدة، خصوصا عندما أصبح السلاح الأداة الوحيدة المسموعة والمتحكمة في المشهد الليبي.

قاد انتفاضة فبراير منذ بدايتها النخب، السياسية والثقافية، لكن "جمهرة" هذا الحراك ملأت الساحة بالأدعياء، فصدرت العشرات من الجرائد والصحف والعشرات من القنوات الفضائية، واكتظت هذه المنابر الارتجالية بالمحللين السياسيين الذين لا يفهمون في السياسة ولا في التحليل، وبمنظري الإعلام الذين لا صلة لهم بالإعلام، وبالمثقفين الذين لم يقرءوا كتابا واحدا ذا قيمة، وبخبراء الاقتصاد الأميين في أبجديات الاقتصاد، وبنشطاء المجتمع المدني الذين يجهلون تعريفه، مثلما اكتظت الجبهات بالمقاتلين الذين كانوا يتعلمون التصويب أثناء المعارك، وبآلاف القادة الميدانيين الذين لا علاقة لهم بالقيادة أو الميادين (ربما هذه طبيعة الثورات الشعبية) لكن الهواة استمروا في هواياتهم الطارئة حتى بعد سقوط النظام وبعد الانتخابات وبداية المسار الديمقراطي، ومثلما لم يترك المقاتل الطاريء بندقيته، لم يتخل الإعلامي الجاهل عن قناته، ولا الصحفي البائس عن صحيفته، ولا الناشط السياسي الذي لم يتجاوز عمره في السياسة أشهرا عن نشاطه.

أطروحة جمهرة المواقع التي اقترحها القذافي مرارا لإقصاء النخبة، ولضرب ذوي المواهب والكفاءات الحقيقية بالأدعياء، وفشلَ في تطبيقها، تطبق الآن بكفاءة عالية، لتمتليء الساحة بالصخب الذي أبعد النخبة الحقيقية عن المشهد، تلك النخبة التي طرحت أسئلتها الأصيلة ونقدها الجذري للواقع الاجتماعي والسياسي منذ عقود، والذين انطلقوا من كون أي إنجاز سياسي مستقبلي لابد وأن ينبع من تطور يحدث في طبقات المجتمع العميقة، وأنه لا يمكن تحقيق القيم الحديثة للدولة المدنية، من ديمقراطية، ومجتمع مدني، وتنوع وقدرة على الحوار، وتنمية مستدامة، إلا فوق قاعدة اجتماعية راسخة قادرة على تكريس هذه القيم ، لذلك كل ما تم بناؤه من مؤسسات وآليات ديمقراطية بعد فبراير فيما يسمى المسار الديمقراطي، هو مجرد هياكل لامعة بنيت فوق قش، والنتيجة هو انهيارها السريع، وعودة المجتمع إلى ما يجيد فهمه، الصراع الجهوي والقبلي والعنف والشتائم المتبادلة في قنوات الإعلام والنميمة على صفحات مواقع التواصل التي تحولت لدينا إلى مواقع للتفاصل.

ونجح المستفيدون من هكذا فوضى في تغييب لغة العقل تماما، وفي تغييب النخب التي كان أداؤها السياسي الخبير وراء نجاح هذه الانتفاضة، فالنظام سقط بالحنكة السياسية التي واكبتها ظروف إقليمية ودولية مناسبة، ولم يسقط بفعل الرصاص وحده وغطاء الناتو الجوي.

لكن من يملك السلاح في النهاية هو من يسيطر، وهو من يكتب التاريخ على مزاجه، وهو من يملك القدرة على الإقصاء المعنوي أو الفيزيائي. وهو من سيروج في قنوات الإعلام الصاخبة خطاب السخرية من النخبة، بل ويحملها مسؤولية كل الإخفاقات رغم إقصائها.

لذلك كنت ومازلت حريصا على أن أية ثورة تتعسكر، تكف عن كونها ثورة وتصبح حركة تمرد، وحركات التمرد من طبيعتها أن تطيل الصراع وتتخذ الحرب وسيلة وحيدة لتحقيق أهدافها، أو كما قال المفكر عزمي بشارة في صدد حديثه عن الثورة الليبية: الثورات العنيفة يمكنها أن تجتث النظام من الجذور لكنها، غالباً، لا تفضي إلى ديمقراطية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات