ركن العامرية .. غولة الجننات

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

عندما نقول أن مجتمعنا الليبي بات مجتمًعًا تجري في عروقه غولة الجننات نكون ربما قد أنصفناه. و عندما نقول أن غيلان التخلف قد نهشته فلا نكون حينها قد رميناه بالتهم جزافًا.

فمجتمع منغلق على ذاته معتقدًا واهمًا بالكمال في كل ما يخصه، رافضًا إدلاء رأسه المتخم بالسقم خارج قمقمه المظلم برائحة الظلم و الدماء، لا يكون إلا مجتمعًا قد التقمه حوت الجهل و لفظته الانسانية بكل معانيها الراقية. ربما هذه حقيقة يتعين علينا إدراكها و الاعتراف بها، فالحكم هنا جاء بناء على ما وصلنا إليه بعد سنوات سمان بأنواع الموت التي تحذو بِنَا أينما ولينا الوجوه، في المدارس، المستشفيات، الأزقة و المصارف و حتى المساجد و صفحات الفيس بوك التي أصبحت مثخنة حتى الثمالة بحروب خطابية مخجلة.

بتنا هذه الأيام لا ننتج إلا مزيدًا من الجهل، فغولة الجننات تجوس خلال الديار المتهالكة في رحلة نهم لا تشبع لأجساد غضّة. و لن اتحدث كثيرًا عن ذلك الفلم الذي أظهر حراس عقيدة الليبيين و هم يتفحصون كتبًا قالوا عنها انها ذات أشكال غريبة. نظرتُ إلى الكتب متوقعة رؤية كتب خرافية، دائرية الشكل ربما أو هرمية و لكنني شاهدت كتبًا عادية مستطيلة بسيطة الشكل و المضمون. و لكن هذا لا يهم فربما لم ترق لهم ألوانها أو الصور التي على أغلفتها!

الحقيقة البشعة التي وجب أن تصفعنا جميعًا هي أن غولة الجننات ما هي في الواقع إلا نحن

في الواقع ما يثير الإعجاب حقًّا هو أخذهم على عاتقهم مهمة تفحّص الكتب الغريبة الشكل غير عابئين بخطر تزعزع عقيدتهم.! و ما زاد من اعجابي هو ذلك الاستنتاج العلمي العظيم الذي توصلوا له، فقد استخلصوا بناء على غرابة شكل هذه الكتب انها تمثل خطرًا جسيمًا على عقيدتنا نحن الأناس البسطاء. عندها انفجر رأسي منتحبًا لجهلهم بأمرين على الأقل، أولهما إن كانت هذه الكتب تهدد عقيدتنا فأنها كذلك لهم أيضًا و بالتالي من نصبّهم حراسًا على قلوبنا.! وثانيهما جهلهم بالموضة الدارجة هذه الأيام حيث كان ياما كان و في مكان ما على أديم هذا السيّار ظهر أناس أذكياء فخلقوا أشياء غريبة توفر لمن رغب بقراءة كتب دينية، سنية، شيعية، صوفية، بوذية، الحادية، علمانية، فنية، تاريخية، أخلاقية او لا أخلاقية بكبس زر واحد فقط على أجهزة غريبة كتلك المسماة لاب توب أو آي باد او اخر صغير جدًا يُمسك بالكف و يُوضع في الجيب لكن باستطاعته حمل آلآلاف الكتب و الصور، يسمى هذا الأعجوبة أي فون.!

وفي ذات السياق، اللافت عدم التفات حراس عقيدة الليبيين و غيرهم من السياسيين الفالحين جدًا إلى عقيدة شريحة كبيرة من الليبيين المستضعفين. فالخوف حقيقي على هؤلاء نتيجة تعرضهم كل يوم لمذلة شديدة حتى أضحت حياتهم موتًا يعيشونه كل دقيقة وسط ظروف لا تصلح أبدًا لثبات العقيدة مهما كانت صلبة و خاصة في صفوف الشباب الغاضب و الأطفال المظلومين.

حديثي عن المهجرين الليبيين في كل مكان و أهل تاورغاء على وجه الخصوص. فالتاريخ سيكتب بمداد من دم عن مأساة مدينة تم اخراج اَهلها بالكامل من نساء و أطفال و عجائز من ديارهم في ليلة مدلهمة محملين بقلوبهم الواجفة في صدورهم الراجفة مستقبلين قبلة مخيمات لم يذوقوا فيها إلا كؤوس المهانة و الموت طيلة ستة أعوام متواصلة.

كم اتمنى على كل من نطق واهمًا حديثًا كذبًا عن طيبة الليبيين و أصالة عاداتهم و كرم خلقهم و رساخة عقيدتهم، ذلك الشعب الحافظ لسانًا لا قلبًا، تباهيًا لا عَمَلًا لكتاب الرحمن، المحافظ على تقاليد الجهل و عادات الجهالة، الكاره لنفسه و أطفاله و شبابه و مستقبله، اتمنى عليه أن يذكر مأساة أهل تاورغاء و يتذكر العار الذي نحمله كلنا على جباهنا الميتة إلى الأبد.

غولة الجننات التي دوّخت رأسي الطفولي بتساؤلات شتّى عن ماهيتها، فتارة كنتُ أراها عجوزًا شريرة و أخرى طائر وحشي، و كبرتُ و اكتشفتُ الآن حقيقة غولة الجننات.!

الحقيقة البشعة التي وجب أن تصفعنا جميعًا هي أن غولة الجننات ما هي في الواقع إلا نحن .. أنفسنا. أنا لا أقول قولي هذا لغاية النقد الذاتي فحسب و إنما محاولة للتخلص من تغول غولة الجننات، تلك التي بدواخلنا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات