المراجع قد تشوه التاريخ

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

التاريخ كالقانون لا يأخذ لا بالنوايا الطيبة ولا بالسيئة، ولكنه يأخذ بالحقائق، والثوابت والمستندات؛ طوال العام الماضي ترجمنا كتابا نوهنا بأهميته لأنه يؤرخ لفترة مهمة من تاريخ ليبيا كتب بأقلام تدعي أنها لم تكن طرفا فيما حدث في ثورة فبراير ولا في تداعياتها، ولأنها أقلام أوربية سوف تعتبر، يوما ما، مصدرا للكتابة عن تاريخ ليبيا. ولقد راعيتُ شخصيا، بصفتي المُترجم، الاتصال بكل من كان بمقدوري الاتصال به، ممن وردت أسماؤهم في هذا الكتاب للتأكد من معلومة كان هو طرفا فيها، وغالبا ما دونت رأيه منبها إلى أنه إضافة من المترجم.

كان هدفي هو مراجعة كتاب سوف يصير يوما مرجعا لتاريخنا وينبغي أن نتأكد من معلوماته قبل أن يصنف مرجعا عن بلادنا ويأخذ ترقيما دوليا ويعود إليه باحث في هلسنكي مثلا، أوفي التبت عندما يحتاج إلى معلومة تخصنا. الكتاب يتحدث عن ثورة 17 فبراير وتداعياتها التي ما زلنا نعيشها، ومع ذلك أخذ ترقيما دوليا - ISBN 978-0-19-021096-0 – وصار بمقدور (يوكوهاما) في اليابان أن يضع رجلا فوق أخرى، ويكتب موضوعا عن الزواج بأربعة أو حتى عن المجلس المحلي( بالنواحي الأربعة) ولا يشك القارئ مطلقا في أية كلمة يقولها له هذا المرجع. التاريخ عندما يكتب معلومة ليست حقيقية ولا تصحح تصبح بعد مئة عام حقيقة لأن أحدا لم يصححها.

نحن نتناول كتابا جديدا عنوانه "ثورة واستياء منها" وهو مازال في خانة الأبحاث، تناولت مقدمته ثلاث مراحل من قبل ثورة فبراير 2011 وهي: الاستعمار الإيطالي والملكية والجماهيرية. القارئ سينتبه إلى هفوات هنا وهناك، ولكنها أخذت من مراجع وصارت حقيقة بالتقادم، فهي ليست مثل التي تؤخذ من أفواه المعاصرين لأننا نستطيع أن نصححها.

الكتاب إن طبع بترقيم دولي يصير مرجعا عالميا. ومع أن الناشر سمى أبحاث ثورة واستياء منها "كتابا" إلاّ أنه لم يأخذ رقما دوليا فهو ما زال بحثا، أو بمعنى آخر "رأيا" من حق صاحبه أن يكتبه كيفما يشاء.

المغبة أن الكثير مما ورد في مقدمته إما مبالغ فيه أو أنه ليس حقيقيا، أو كتب بوجهة نظر ترفضه، كأن يكتب الجماهيريون عن الملكية، أو أن يكتب ثوار فبراير عن الجماهيرية فأنا أعي تماما الحقب الثلاث: الاثنتين اللتين أعقبتا فترة الاستعمار، والثالثة التي أعقبتهما وأجزم أن الكثير مما كتب -عن الحقبتين- ليس حقيقيا تماما وخصوصا عن الفترة الملكية التي قالت عنها المقدمة مثلا أنه من بعد اكتشاف النفط في ليبيا وارتفاع موارد الدولة، أنفقت الكثير على فئة دون غيرها لتثبيت حكم الملك إدريس. وهذا ليس بحقيقة لأنني في مطلع الستينيات كنت موظفا بوزارة الأشغال وكان مرتبي سبعة جنيهات، وبمجرد أن بدأ تصدير النفط صدر مرسوم برفع المرتبات بنسبة مائة في المائة، ولما عدت إلى الوالد بأربعة عشر جنيها، أعلنت حالة طوارئ في البيت لدرجة أنهم فكروا في أن يشتروا لي نصف ديني، ويتعاقدوا على (درباكة) لإحياء العرس.

وخلال عشر سنين فقط: صرفت علوات للعائلة وللسكن للمواطنين كافة، وأعدت خطة خماسية، ومن بعد البترول بنيت جامعان نموذجيتان في طرابلس وبنغازي، كانتا تمنحان منحة شهرية للطلبة، ومعها قيافة تليق بالطالب الجامعي، وكان يتعاقد مع أبرز وأفضل الأساتذة. أما المتفوقون في الدراسة الثانوية، فلهم الفرص كاملة لإتمام دراستهم في أفضل جامعات العالم. وشيدت مدينتان رياضيتان في طرابلس وبنغازي، وتكاد مدينة البيضاء بنيت بالكامل في تلك الحقبة، أما مدينة المرج الجديدة فبنيت كاملة من بعد أن دمر الزلزال المرج القديمة، وشيد مشروع إدريس للإسكان، وامتلأت المستشفيات بأطباء من العالم كله، وممرضات مثل ذوائب اللهب منتشرات بمستشفيات من طبرق إلى رأس اجدير، وصديقي نشأت فني تحاليل بمستشفى السلام بالقاهرة ما زال يحن إلى أيام عمله في مرزق، التي لا أظن أن نصف الليبيين يعرفون أين تقع؟

والعهد الملكي لم يكن شرسا ولا استبداديا، ولم تحض العائلة السنوسية بأية امتيازات مثلما ذكر الكتاب الذي أشرت إليه. ولعل فترة السجن الرمزية التي حكم بها النظام الملكي على مجموعة ضباط حاولوا القيام بانقلاب عسكري لخير دليل على سعة صدر النظام الملكي، ورأفته، أما عدله فقد تمثل في تنفيذ حكم الشرع والقانون وأعدم شقيق الملكة لثبوت الجريمة، على الرغم من المحاولات الدولية لتخفيف الحكم.
كل ما أريد أن أقوله أن ما كتب في الكتاب الذي بدأنا ترجمته في (الوسط) وعنوانه "ثورة واستياء" استقى مقدمته من مراجع قائمة وعلى المتخصصين مراجعتها وتصحيحها وألاّ يساء فهم ما نترجم فغايتنا نقل بمصدقيه، وحِرفية ما يكتبه الآخر عنا.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات