"دراسات التابع" والكتابة التاريخية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

سنة 1932 ظهر على يد الكاتب الفرنسي لوسيان فيفر Febvre Lucian مصطلح "التاريخ من أسفل"، ويعني به وجوب تركز الكتابات التاريخية على أسفل البناء الاجتماعي حيث الطبقات الشعبية والمهمشون، في مناقضة مع الكتابة التاريخية التقليدية التي تحصر اهتمامها داخل نطاق التاريخ السياسي والزعماء والقادة والحروب، أي "التاريخ من أعلى" المقتصر على التأريخ للطبقات العليا في البناء الاجتماعي. لكن الذي دفع بهذا المصطلح إلى الواجهة هو الإنجليزي إي. بي. ثومبسون E.P. Thompson سنة 1966 وشاع استعماله في عقد السبعينيات.

مع اشتداد عود حركات التحرر القومي والوطني (المسلحة والسلمية) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ضد الاستعمار، وبروز الإسهام الشعبي بها وتزايد احتضانه لها، ظهرت كتابات في المستعمرات تقترح رؤية جديدة للكتابة التاريخية تعيد النظر في الكتابات التاريخية التي تصدت لكتابة تاريخ هذه المستعمرات من وجهة نظر المستعمِر. أي من وجهة نظر الغرب. وتبنى الكتاب ذوو التوجهات الماركسية فكرة "كتابة التاريخ من أسفل".

في هذا الإطار ظهرت مجموعة "دراسات التابع" المتكونة من أكاديميين هنود في جامعة أوكسفورد في الهند وأصدرت سنة 1983 مجلة بهذا الإسم.

الذي اقترح مصطلح "التابع Subaltern " هو الأكاديمي والمؤرخ الهندي راناجِت غوها Ranajit Guha، مؤسس المجموعة، في كتاب صدر في نفس السنة بعنوان "ملامح أساسية في هبة الفلاحين ضد الاستعمار في الهند"Elementary Aspects of Peasant Insurgency in Colonial India. والواقع أن غوها استمد هذا المصطلح من المفكر الماركسي الإيطالي آنطونيو غرامشي AntonioGramsci (1891-1937) الذي استمده بدوره من التراتبية العسكرية حيث تطلق هذه التسمية على المستويات العسكرية الأدنى من رتبة الضابط، ونقله إلى المجال الاجتماعي فأصبح يعني به الطبقات والفئات الاجتماعية الدنيا داخل تشكيلة اجتماعية ما. وبدورهم قام جماعة دراسات التابع بنقل هذا المصطلح من مجال دراسة علاقات القوة والسلطة داخل المجتمع الواحد إلى مجال دراسة علاقات القوة بين المستعمِر والمستعمَر السابقين.

والفكرة أن فئة التابع في الجيش تمثل القاعدة العريضة في المؤسسة العسكرية التي يستقر عليها بناء هذه المؤسسة برمته، إلا أنه لا دور لها في اتخاذ القرارات فيها، كما أن الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية الكادحة والمهمشة التي يرتكز عليها البناء الاجتماعي ويقع عليها العبء الأكبر في عملية الإنتاج فيه مبعدة عن القرار السياسي، ومن هنا نقلت مجموعة دراسات التابع وكذلك دراسات مابعد الاستعمار (Postcolonial studies) المتضافرة معها هذا المفهوم إلى مجال العلاقة بين الدول المستعمِرة والدول المستعمَرة السابقة. فشعوب المستعمرات السابقة تمثل النسبة الأكبر من سكان العالم وتنتج المواد الخام التي تحتاجها الدول الصناعية المتقدمة، ومع ذلك فهي مُستغَلة من قبل مستعمريها السابقين ولا وزن لها، تقريبا، في العلاقات الدولية. أي أنها، رغم استقلالها، مازالت تابعة لدول المركز الاستعماري.

تشترك دراسات التابع في رؤيتها للكتابة التاريخية مع الدراسات التاريخية الأخرى المنطلقة من بعد وطني في معارضة رؤية الكتابة التاريخية الغربية لشعوب المستعمرات السابقة. لكنها تفترق عنها في كون نقد موضوعة المركزية الأوربية، أو الغربية عموما، أكثر عمقا ووضوحا، وفي تركيز الأخيرة على توجه كتابة التاريخ من أسفل. وتفترق عنها أيضا في كون رؤية دراسات التابع للكتابة التاريخية رؤية نقدية، بمعنى أنها لا تعارض الدراسات التاريخية الغربية المتمركزة حول المركزية الغربية، فقط، وإنما تعارض أيضا الرؤية الوطنية النخبوية في كتابة التاريخ المتمركزة حول الذات الوطنية ومآثر التاريخ الوطني دون رؤية نقدية.

لقد أصبحت رؤية دراسات التابع للكتابة التاريخية ذائعة الصيت، إلا أن اللافت للانتباه فيها تمركزها في اللغة الإنغليزية وأن العمود الفقري فيها يمثله مفكرون هنود، وانتشارها أقل في اللغة الأسبانية من قبل مفكري أمريكا اللاتينية وتكاد تنعدم في اللغة الفرنسية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات