ركن العامرية.. شكرًا يا ربي

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

في بلادنا يستخرج الشاب المشتعل شبابًا كتيب العائلة معتقدًا أن الحياة الزوجية ستكون زاخرة أبدًا بالوله والصبابة. وبمجرد أن يوقّع وليّها ذلك الميثاق الغليظ حتى يُخَيَّل للشابة أنها ستكون الملكة على الدوام في جو تسوده اللهفة إليها والاشتياق الدائمين.

ويلتقي العريس عروسه في جو ينزّ حبًّا وشغفًا و إثارة وقد حاز كل منهما أمنية قلبه أو قلب أمه أو جدته، كل ذلك لا يهم. ما يهم هو عالم الإثارة، فشكرًا يا ربي على هذه النعمة التي قد يظن الكثير من الشباب أن بولوجها قد تحقق المراد ليُفاجأ بعد حين قد يطول أو يقصر بخيبة رجاء. فجذوة اللهيب قد اعتراها الوهن و فوران الشباب بدأ بالخمود والأشواق بالركون بتسلّل شبح الروتين وتمكّن ظلال الرتابة.

وعندها قد يزحف الإرهاق إلى القلوب ليهلكها فيسرع هو باحثًا عن المواساة عند الخلّان وربما انصرفت هي إلى ما تنصرف إليه معظم النساء هذه الأيام، فبدل العمل لتكون مركز الإشعاع للأسرة بالمعنى العريض للكلمة، تنشغل بأمور أخرى كثيرة كالزيارات اليومية لبيت الأهل والانغماس التام في المناسبات النسوية بما فيها من ثرثرات مثقلة بما لا ينفع.

وقد تحاول إعادة لهيب اشتياقه لها واهتمامه بها بالطرق المعلومة كأن تكتب له (حجيّب) مثلًا أو رسالة حب في عيد الحب و قد تنجح مرة ويصاحبها الفشل مرات فلا عاد ذاك الجمال يبهره ولا عادت وسامته في الحقيقة تغنيها. فتستسلم للرتابة المميتة واصطناع البهجة المخيفة المكممة بحبال الرعب من شماتة الشامتات عن البوح بما يدور في قلبها ورأسها.

فلنختر كلنا شكر الخالق على نعمة الروتين كما ينبغي ولا نركن أبدًا لروتين التكرار الغريزي كالمخلوقات الأخرى.!

وسنة تجر أخرى و يتقدم الزوجان في العمر ليكتشفا أنهما لم يعرفا بعضهما فكل تطور في اتجاه مغاير أو ربما لم يتطور فلم يعملا على استغلال الروتين لخلق فرص للتقارب بينهما فلكل عالمه وندماؤه وحكاياته فلا أفكار مشتركة بينهما أو هوايات والأهم لا تجديد لوحدة المشاعر. و بذلك أذعن كل منهما للحياة الدنيا بتعبير أديبنا النيهوم، تلك التي تعتمد سلوك التكرار الغريزي فتتكاثر وتأكل وتتآكل.

وهذا حال الكثير من المتزوجين بتصورهم الخاطىء للغاية المرجوة من الزواج. ولو أنهم تفطّنوا كما أشار الكاتب البليهي، أن الزواج ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لاستتباب الاستقرار الشيء الذي من شأنه تعزيز فرص تحقيق الذات لعلموا أن الروتين نعمة عظيمة ينبغي استغلالها.

ويستطرد البليهي قائلًا أن الانتظام الناجم عن الزواج والمسمى الروتين ليس مدعاة للملل، وانطفاء ذلك البركان لا يعني أبدًا تبدد الحب. فمن الوهم الاعتقاد بإمكانية استمرار حالة التهيج العاطفي كتلك المصاحبة لبدايات فترة الزواج لأن ذلك واقعيًّا وعمليًا ليس ممكنًا إلا في قصائد الغرام والوجد والصبابة التي أبدعها الشعراء من قصص حب أغلبها لم تنته بالزواج وإلا لما اشتهرت حكاياتهم واكتسحت الآفاق.

وعندما يدرك الإنسان بإرادته هذا الأمر، حينها عليه شكر الذي خلقه خليفة له على الأرض. ولا يكون ذلك بقول شكرًا يا ربي و إنما بتجسيد الشكر عمليًا بالعمل والفكر والخلق، وهنا يلتقي طرح البليهي مع النيهوم الذي أكد على أهمية النشاط الفكري لتحقيق خلافة الإنسان وبذلك تُوظَّف الرتابة الناجمة عن الزواج لغايات أسمى فتنمو الحياة بالعطاء والخير. أما الركون لحياة التكرار الغريزي فموت للعقل والروح وإماتة للحياة الزوجية.

وجب إذًا أن يُنظر لروتين الحياة الزوجية على أنه وسيلة دفع قوية للإنتاج فمتى تحصِّل الإنسان على الاستقرار النفسي والعاطفي تمكّن من التعلم واكتساب المهارات الجديدة وقد يصل لحد الإبداع والمشاركة الفعّالة في ازدهار مجتمعه بل المساهمة بدفع عجلة التطورالإنساني وعندها يكون حقًّا قد لبّى نداء ربه بخلافته على الأرض بدل الانصياع لمن نصّب نفسه ظل الله على الأرض ليزيد من رتابة الحياة الزوجية بالتكاثر بالأنفس المكررة.

وبتوظيف ذكي للروتين لا يعود هناك ما يستوجب تلك التعليقات البليدة التي يكررها بعض الرجال عن الزواج ولا ذلك الصمت المصطنع من بعض النساء بل يكون ثمة روتين زاهر متفجر بالحياة. والإنسان فقط من يملك الاختيار بين الروتين الباعث على النماء أو المميت أما سائر المخلوقات الحية فلا خيار لها إلا التكرار الغريزي. فلنختر كلنا شكر الخالق على نعمة الروتين كما ينبغي ولا نركن أبدًا لروتين التكرار الغريزي كالمخلوقات الأخرى.!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات