ما بَعدَ أوباما

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري


كأنّ كلَّ شيء أصبح ماضياً،
حتى أحلامنا الآتية،
كأننا مِنَ الماضي أتينا،
وإلى الماضي نعود.
محمد علي اليوسفي

• أما قبل
بعدياتٌ كثيرة اجتاحت هذا العصر خاصة المرحلة التي عشناها منه، مما جعلها مرحلة الما بعد الجلية والدامغة، وما بعد بعض ما تعنى أنها نقلة بينة ومُفارقة في التاريخ كبرت أم صغرت، وجميع الما بعديات هذه حصلت في مجتمعات اجتاحتها الحداثة سلبا أو إيجابا بمعنى ما أنها وقعت تحت طائلتها.

• ما بعد الحداثة
يقول عبد الوهاب المسيري مُعرفا ما بعد الحداثة: "إذا كان الحقيقي هو العقلاني (المادي) في عصر التحديث وهو المادي المُتغير في عصر الحداثة، ففي عصر ما بعد الحداثة لا يوجد أي أساس للتمييز بين الحقيقي والزائف، وبالتالي فلا حقيقي ولا زائف".

• ما بعد الاتحاد السوفييتي
على الصعيد الدولي مثل تفكك الاتحاد السوفيتي نهاية الحرب الباردة. حيث ساعدت ثورات عام 1989 إضافة إلى تفكك الاتحاد على نهاية العداء المستمر منذ عقود بين منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وحلف وارسو ما ذهب أدراج الرياح، والذي كان السمة المميزة للحرب الباردة.

• ما بعد الانترنت
الاتصالاتُ عبر الإنترنت اليوم مرنة عند استخدام جهاز الكمبيوتر الخاص بك للاتصال بجهاز آخر على الشبكة حيث يمكن الحصول على مليارات من البيانات بكبسة زر واحدة، ويمكن التواصل الآني مع أي شخص في الوقت نفسه حتى وإن فرقتهم المسافات، لكن في الوقت نفسه أصبح البشر يُخزنون ملايين الملفات على الإنترنت، ويقومون بتحميل ملايين المُرفقات يومياً من وثائق وصور وفيديوهات وكل ذلك يُرمى في مخزن الإنترنت، كل هذه الحزم المليارية من المعلومات تجعل العالم أسيراً لهذه الشبكة، وبذلك أصبحت تبعية مليارات من البشر وعشرات من اقتصادات العالم إلى شبكة الإنترنت، فالعالم لم يعد هو العالم بل والكون.

ما بعد أوباما لا يعني أوباما في ذاته أو إدارته، فبالنسبة للشرق الأوسط وخاصة للربيع العربي ليس لفعله ما يُذكر بالخير بل ممكن أن يذكر مذموما كما حاله في ليبيا وسوريا

• ما بعد الربيع العربي
إن نيس وإسطنبول وباريس وأزمير والولايات الأمريكية و.و.و.و... كما بغداد وبنغازي وتعز وسوريا بقضها وقضيضها، وإن "ترامب" و"حركة حزب الشاي" الأمريكية و"ماري لوبان" الفرنسية و"هوفر" النمساوي ووووو ... كما "البغدادي" يريدون إنشاء دولتهم المتعصبة الاستئصالية، ومن بريطانيا تبزغ الروح الانفصالية الانقسامية. ولقد بات العالم ما بعد الربيع العربي في حال: إلى الخلف درْ... هذه الحقيقة تبين أن الموجة الأولى من هذا الربيع كانت الثورات، وأن الموجة الثانية كانت موجة الارتداد إلى العالم القديم دُرْ.

• ما بعد أوباما
قبل هل ما بعد أوباما في مستوى البعديات التي أشرنا إليها؟، إن لم تكن في المستوى فإنها في النتيجة، أي تؤشر إلى متغير غير مسبوق حتى اللحظة، فكأنما نهاية أوباما تكشف أن ثمة حجرا لحظة سقوط جدار برلين لم تتم إزالته لأنه لم يعر اهتماما، وهو الحجر الأساس الفاصل بين عالمين أو قطبين أو رؤيتين أو بين إلى الأمام وبين إلى الخلف دُرْ، أوباما هو التغيير كما طرح وكما استقبل وما بعده أن التغيير فشل، لذا قلب المجنَ وبات العالم قاب قوسين وأدني من التراجع عن حقبة "الآمال العظمى"، والانكفاء على النفس ما دائما ملجأ البشر عند المحن الكبرى.

المشهد اللافت للنظر ما بعد أوباما بأن في اللحظة الاستثنائية ما رصده هشام ملحم: "رئيس يودع بخطاب مُؤثر وبليغ ألقاه في مدينته شيكاغو احتفل فيه بإنجازاته وحذّر البلاد من الأخطار الداخلية التي تُهدد نظامها الديموقراطي، ورئيس جديد عقد مؤتمرا صحفيا في مدينته نيويورك سرعان ما تحول إلى سيرك صاخب عندما هاجم وسائل الإعلام وقارن تصرف أجهزة الاستخبارات الأميركية بتصرف السلطات النازية. الفرق بين باراك أوباما الراحل من البيت الأبيض ودونالد ترامب القادم إليه، لم يكن صارخا كما كان بينهما في هاتين المناسبتين اللتين عكستا مدى وعمق الاستقطاب السياسي والإيديولوجي وحتى الاجتماعي بين الرئيسين ومؤيديهما".

وهناك من يريد أن يقفز عن هذه المعطيات التي تبشر بأن القادم ليس هو ترامب وحسب ولكن اليمين واليمين المتطرف في سائر الأنحاء، فالعالم ينحو أن يكون كما دولة إسرائيل اليهودية العنصرية والتي أعادت إنتاج الأيديولوجيا النازية، خاصة في الغرب كما في فرنسا التي قبل قدوم اليمين نحت الدولة نحوه وإن تحت قيادة رئيس اشتراكي من أسقطه العمال قبل أن يفعل ذلكم اليمين.

أما من ينتظر الخلاص على أيدي القادم فهو كجده من انتظر هتلر المخلص، أو الحاج هتلر حسب تسمية المذيع العراقي يونس بحري في إذاعة برلين زمن الحرب الثانية، إن القادم ترامب ومثله في أوربا العجوز بحاجة إلى العمالة من العالم ولكن العمالة الرخيصة ومن لا حقوق لها، يريدون العبيد وليس المهاجرين وكذا يفعلون في بلدانهم، في حين ميركل تريد مواطنين ألمان كي يجددوا شباب البلاد العجوز.

ما بعد أوباما لا يعني أوباما في ذاته أو إدارته، فبالنسبة للشرق الأوسط وخاصة للربيع العربي ليس لفعله ما يُذكر بالخير بل ممكن أن يذكر مذموما كما حاله في ليبيا وسوريا، ولكن الأمر يخص مرحلة تبدو إطلالتها غير المحمودة في العودة غير الميمونة إلى العصور الوسطى حيث تُبنى الأسوار على الحدود وتُدفع الإتاوات من أجل بنائها كما بشر ترامب الشعب الجار المكسيكي، ولقد جمح الخيال بهم أقوى وأعنف مما يتصوره كُتاب سيناريوهات أفلام الرعب وأساطير الماضي السحيق، هذا ما يعنيه القادم تقريبا ولكن في عالم البشر المستقبل يعنى ما لم يُعرف بعد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    18.01.2017 الساعة 14:29

    ما بعد اوباما (الطوفان) سيكسح التطرف والتخلف والتردد الاوبامي وستعلو كلمة العالم الحر وستدحر جهاله البطارقه وشيوخ النجوع وعقلية الموالي احفاد الترك والقوقاز