ركن العامرية.. الجمال أخذ وعطاء

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

في بلد بات ينحسر عنه الجمال بسرعة البرق، وذات ليلة رعدية بدأت الحكاية، فبعد التحصّل على سبعة وعشرين ضعفًا من أجر صلاة العشاء، حضّرت امرأة طيبة كآلاف الطيبات العشاء وألقمته له، ولا ضير فهو طيب أيضًا ونحن جميعًا طيبون لأننا شعب الله المحافظ جدًا.!

وأثناء تضييعه لعمره كما يحلو له دائمًا، بتقليبه للقنوات التلفزيونية يمنة ويسرى لا تبصر عيناه إلا ما يسرّ نظره الضعيف، ليشدو فؤاده بالشباب الزائف ويتغذى فكره بمنتهي الصلاحية، فيرى من الوضيئات الأبدار ما لا عين رأت. يتفحّص الجمال البلاستيكي لفلانة وفلانة وفلانة، ولا غضاضة فغضّ بعض النظر لا يكون عن أمثالهن، ولا عن الشاشات التي تزيد من العمر كلما انتهى من صلاة العشاء أو ربما تنقصه.

وبعد أن ألقمته اللقمة الأخيرة، يلتفت صوب رفيقته، باحثًا عن الجمال الذي غالبًا لا يراه. لكنه جهل شيئًا مهمًا للغاية وهو أن الجمال أخذ وعطاء. عمومًا فإن الأسباب لذلك البحث وذلكم الجهل كثيرة ومحرجة للغاية لهذا لن أتطرق إلا إلى أقلها حرجًا وهو أننا شعب الله المحافظ، المحب للجمال البلاستيكي ولكننا أيضًا شعب مسكين جدًا.

المهم في الأمر أنه سيرى كائنًا بعيدًا جدًا عمن تغنّج في الشاشات وتدلل على الفضائيات، وسرعان ما تنتابه حينها حالات من السعال الشديد جراء ضيق صدر ألّم به فجأة وآلمه حد الموت. لا أدري، ربما هي حسرة النفس أم غصَّة اللقمة الأخيرة.! وربما شعر أيضًا بالكثير أو القليل من وخزات الخجل تتقاطر على روحه وذلك تبعًا لوزن الضمير الذي تختزنه ناصيته وربما أحسّ بكل شيء إلا ذاك الأخير.!

لا تملك الليبية الطيبة المحافظة والمسكينة جدًا إلا تسليم أمرها للذي خلقها داعية أن تكون من أصحاب اليمين

الطريف في الأمرلحد الكارثة، أنه يطالب بالجمال فقط. هو لا يدري أنها علمت بطلبه فور نظرته تلك، ولا يتفطن أنها ضحكت حتى انفجر رأسها بالدموع لأنها تعلم أنه يطالبها بالجمال ضنًا منه امتلاكه شيئًا كالذي أُعطي النبي يوسف، أو ربما كان له بعض مما أوتي النبي سليمان وحديثي عن كل أنواع الجمال، فلا يمر ببال هذا الطيب البليد إلا (الراجل ما يعيبه إلا جيبه)، لا يخطر على باله أن عقله كجيبه مثقوب لجهله أن بإمكان النساء القيام بشيء ما غير إعداد العشاء فذاك أمر محسوم كما قال المرحوم النيهوم، منذ أن سكنت المرأة الكهف وخرج الرجل للصيد.

في الحقيقة هن قد يقلبن المحطات، وصاحبتنا هذه قد تقوم بذلك فهي تبحث عن كل الجمال بينما يبحث هو عن جمال فلانة وفلانة وفلانة البلاستيكي. ويستمر رأسها بالضحك لأنه جاهل بجهله أن الجمال أخذ وعطاء ولذا يصعب عليه التخيّل أنها قد تقلّب المحطات كلها صعودًا وهبوطًا لترى عالمًا آخرَ مغايرًا لما تراه إذا ما تجولت بناظريها في أرجاء حجرة المعيشة أو أية حجرة أخرى في البيت السعيد أو خطت قدمها خارج بيتها وخوفي الآن بعد هذه الكلمات أن يمنع عنها التلفزيون شاهرًا فتوى ما ليلجمها بها كالعادة، لذا لا تبلغوه بما كتبت حيث أنه لا يقرأ وقلما كتب.

لو علم الطيب وأخوته أن من الجائز جدًا اشتياق أذهان النساء للجمال ولو جال داخل جمجمته أن المرأة كذلك تصاب بالخيبات إن تلفتت صوب رفيقها لتجده أشعثَ أغبرَ سواء عليه هندامٌ قصيرٌ متهدلٌ أو قميصٌ باهتٌ وجينز، لما سمح لنفسه أن يكون كالتمساح بالمعنى الذي قصده المرحوم النيهوم.!

يقول الأديب العظيم موضحًا سبب تشبيهه للرجل الليبي بالتمساح، أن ذلك ليس بالطبع لافتقاد الليبي للوسامة وخفة الروح والظل أو بدائية فكره.. أبدًا.. أبدًا.! وإنما لأن التمساح آخر من يعلم أنه يحمل فكرًا متخلفًا وعاجزًا وهذا ما في جيب صاحبنا الطيب.

عندها، وفي مجتمع عصيب ومتعصِّب كمجتمعنا، وقبل أن تموت كمدا، لا تملك الليبية الطيبة المحافظة والمسكينة جدًا، إلا تسليم أمرها للذي خلقها داعية أن تكون من أصحاب اليمين لترى مالا عين رأت ولا خطر على قلب بشر.!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : سليم

    14.01.2017 الساعة 10:40

    لا تروق لى مقالات بهذه الخفة و السرعة و فداحة الخطأ فى عدم المعرفة فى التفريق بين ضن وظن . يمكن لى كتابة مقالات أكثر نفعا لو أتيح لى نصف ما أتيح للسيدة الكاتبة.