مدينة المحبة

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

الفيلم الذي دعاني إليه صديقي رضا يتحدث عن ثلاثة عناصر هي: الوقت والمحبة والموت. أما حبكة قصته فتدور عن جمال يلازم هذه العناصر ومنها استمد عنوانه: (collateral beauty). وترجمته الحرفية هي الجمال الملازم، وإن كنتُ أرى أن المعني المقصود هو: الجمال -المخفي- المصاحب أو الملازم لشيء ما؛ وقد أتفق تماما مع رأي كاتب قصة الفيلم بأنه ثمة جمال قد يلازم الوقت والمحبة بل ويرتبط بهما. ولكن أي جمال يرتبط بالموت، خصوصا عندما يغيب مَن، (أو ما نحب)؟.

أي جمال يرافق طفلا مات دونما سبب، مثلما فسر لنا الفيلم. لقد حاول بالسبل كلها أن يفسر ويفلسف هذه الحقيقة، وخيل لي أنه نجح في ذلك، ولكنه لم يبعدني عن فكرة مرعبة تمكنت مني وهي "احتضار وطن" دونما سبب. حاولت أن أجد هذا الجمال الذي قد يصاحب موته، ولا أدري كيف شطح خيالي بعيدا وأنا أحاول أن أجد ثقبا أفسر من خلاله الجمال الذي يصاحب الموت.

وعلى الرغم من اتفاقي إلى حد ما بأنه ثمة جمال قد يلازم الوقت والمحبة، إلاّ أنه يتلاشى سريعا بمجرد أن يخطر علينا نقيضهما: فنقيض الحب هو الكراهية، ونقيض الوقت هو الموت. ولكن الفيلم وظف الحب كبلسم لعلاج الكراهية والحسرة على موت الأطفال والأحباب وبالتأكيد احتضار الوطن.

فهذا الشعب المحب لن يحكمه إلاّ من يعي المعني تماما أن الله محبة

ولم يُبل الوالد من الحزن- في الفيلم- على موت طفلته إلاّ بانتباهه إلى جمالٍ مخفي صاحب موتها، وهو قوة الحب، ولكن كادت متعة تتبع هذه فكرة أن تضيع مني بعدما تساءلت بيني وبين نفسي: أي جمال صاحب احتضار وطني؟ ولم أقتنع تماما إلاّ بعد أن انتبه الأب المفجوع إلى حجم الحب المخفي الكبير الذي صاحبه طوال فترة حزنه.

عندها انتبهت إلى أحزان الموت الذي ظل يغيب طوال خمس سنوات أطفالا وشبابا وكهولا ونساء من ليبيا كلها، وإن كنت منتبها أكثر لمدينتي التي لم يتوقف الموت والحزن فيها منذ فبراير 2011. ولكن الحزن لم يقف حاجزا بين أهل بنغازي وحبهم الكبير لها. حاصرتهم الحسرة والحزن ولكنهم انطلقوا نحو الموت تدفعهم المحبة.. الحب؛ حب الوطن.. حب الشهادة ، فيما يعود الذين وسدوا شهداءهم الثرى يتغنون بحب مدينتهم: هذا يسميها (الكبيده) وذاك يسميها (مواله)، والثالث (معشوقته).

كان الحب هو المعزوفة اليومية لأكثر من ستين شهرا لمحبوبتهم بنغازي على الرغم من العوز وقلة الزاد والحزن الجليل. فالعشق إذن، مثلما نعرف جميعا، من أشكال الجمال، وهو ما صاحب الحزن والموت فانتصرت الحياة في بنغازي، بفضل الله والحب،وسوف تنتصر أيضا في بقية بلادي المخطوفة. الأمر واضح، ولكنني لم أنتبه إليه: أليس الله محبة؟ أليس ما يحدث في ليبيا قدره الله وما شاء لها فعل. ورب المحبة لا يسمح أبدا بموت طفل دونما سبب ولا لحزن الثكالى ولا لحسرة الأرامل.

فمن يقنعني أن من يفجر براءة الأطفال، أو شيخا يتعبد بحزام ناسف أو سيارة مفخخة هو شهيد عنده؟ الشهيد هو الذي يغيبه عنا رصاص قناص غادر، وهو يغني بحب الله وحب مخلوقاته، وحب وطنه. فلتتسلح ليبيا كلها بحب مدنهم وقراهم ونجوعهم، ويعلموا أن من يفقد الحب يفقد دقة التصويب فالمحبة هي دون غيرها هي طريق الخلاص وليس الحقد والغلّ، فالطريق إلى الجنة يبتدئ بحبك لرب السلام والمحبة.

المحبة هي طريق الجنة وليس الانطلاق بسيارات الدفع الرباعي نحو من يؤدون صلاتهم وابتهالاتهم إلى العلي القدير مثلما يؤديها المنطلق نحوهم تحت راية التشهيد نفسها. فهذا الشعب المحب لن يحكمه إلاّ من يعي المعني تماما أن الله محبة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات