دعم الاضمحلال ودعم النهوض

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

كثيرا ما يفتش الباحثون والمثقفون العرب عن تناظرات بين آراء ونظريات مفكرين وفلاسفة مسلمين في تراثنا العربي الإسلامي، وآراء ونظريات مفكرين وفلاسفة غربيين حديثين ومعاصرين.

وهذا أمر لا غبار عليه، بل هو محمود، وحتى مطلوب. إنه إنصاف لإلمعات واستبصارات مفكرينا العرب والمسلمين وتأكيد على نوع من وحدة التفكير البشري، في حالة عدم اطلاع اللاحقين على أفكار السابقين، وتأكيد أيضا على تلاقح الفكر الإنساني وتواصله في حالة حدوث الاطلاع، سواء تم الاعتراف بهذا الاطلاع أو جحد. وفي جميع الأحوال، هو تأكيد على إسهام مفكرينا وفلاسفتنا (أو على الأقل محاولة إسهامهم) في الحضارة الإنسانية الشاملة. فمثلما استفادوا هم من تراثات الحضارات الأخرى فإنهم ردوا هذا الدين أو جزءاً منه. بيد أنه كثيرا ما يتم إغفال الفارق الجوهري الحاسم الذي يتبطن هذه التناظرات الظاهرة.

ولعل أبرز مفكر إسلامي تم التركيز عليه في هذا السياق هو أبو حامد الغزالي( 450 هـ - 505 هـ / 1058م - 1111م). فمن مقارنة بينه وبين جون ديوي (1859 - 1952) في نظرتهما للطبيعة الإنسانية، إلى مقارنة بينه وبين ديكارت (1596 –1650) بخصوص منهج الشك، إلى مقارنة بينه وبين ديفد هيوم (1711 – 1776) في مسألة إنكار السببية، أو العلية، أو الضرورة، في مجال نظرية أصول المعرفة epistemology.

خلاصة القول أن الغزالي كان ينطلق من مقدمات أو مسلمات دينية أي نقلية فلو لم ينص القرآن صراحة على المعجزات لما لجأ إلى إنكار السببية

وسنكتفي هنا بمسألة المقارنة بينه وبين ديكارت، وبينه وبين ديفد هيوم. بغض النظر عن تعرف ديكارت على فلسفة الغزالي، بكيفية ما، من عدمه، فإن التناظر واضح. فكلاهما وقف موقفا ناقدا من علوم عصره وشك في صحتها. لكن في الوقت الذي وقف فيه الغزالي ضد الفلسفة والفلاسفة، بشكل خاص، وكفرهم في قضايا وخطأهم في أخرى، وكان رأس حربة في الانقلاب على الفلسفة والتضييق على الفكر الحر المستقل والمفكرين الأحرار، كان ديكارت ضد الهيمنة الفكرية للكنيسة المسيحية ومنتقدا للتعليم المدرسي التلقيني غير المطور للمعرفة، ومَثَّل نقطة انطلاق للفكر الحر المستقل والمفكرين الأحرار واستحق بذلك لقب "أبو الفلسفة الحديثة". لقد مثل الغزالي حالة ارتدادية عن مكاسب العقل في حين مثل ديكارت حالة ثورية لصالح تقدم العقل.

ونفس الشيء ينطبق على اتفاق ديفد هيوم مع الغزالي بشأن إنكار السببية أو العلية ، واعتبار ما نراه من علاقات علية بين الحوادث، كاحتراق القش الجاف عند ملامسته النار، مجرد علاقة اقتران وعادة. إذ ليس لدينا ما يؤكد أن القش سيحترق في جميع الحالات والأمكنة والأزمنة التي تلامسه فيها النار، مهما كانت الظروف ملائمة.

لقد أنكر الغزالي مبدأ السببية ليثبت المعجزات ويجعل الحوادث متعلقة بالإرادة الإلهية وليس بقوانين ثابتة. في حين كان إنكار هيوم للسببية في إطار معارضته للميتافيزيقا باعتبار السببية مبدأ ميتافيزيقيا (قوة خفية) من غير الممكن إثباته تجريبيا. إنه علاقة بين الأشياء في ذاتها لا يمكننا البرهنة عليها لأننا لا نرى إلا ما كان ظاهرا في الأشياء.

خلاصة القول أن الغزالي كان ينطلق من مقدمات، أو مسلمات، دينية. أي نقلية. فلو لم ينص القرآن صراحة على المعجزات لما لجأ إلى إنكار السببية، لذا أطلق عليه معارضو الفكر الحر لقب "حجة الإسلام". وعلى هذا الأساس فهو عالم كلام وليس فيلسوفا، رغم تضلعه في المعارف الفلسفية لعصره، إذ العبرة بنقاط الانطلاق وليس بالتضلع والإحاطة المعرفية. في حين يعتبر ديكارت وهيوم فيلسوفين لأنهما انطلقا من فرضيات ومباديء عقلية.

لقد جاء الغزالي مع بدايات اضمحلال الازدهار الحضاري والفكري الإسلامي الذي بلغ أوجه في القرن الرابع الهجري فدعم هذا الاضمحلال، في حين ظهر ديكارت وهيوم في عصر النهضة الأوربية فدعما النهوض.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات