وغدا السفر في وطني مغامرة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

اللي ما مشى ما عرف أرض .. لا يوردك عالمناهل
واللي ما قرا ما عرف فرض .. حتى إن تاب مازال جاهل.

أبيات شعر طالما رددها أبي على مسمعي وهو ينصحني بالسفر دون حدود، وأذكر أني سمعتها منه للمرة الأولى على الطريق العام بين قريتي القيقب ولالي، حيث كان في تلك الفترة عاملا بوزارة المواصلات، مسؤولاً عن كيلومتر من هذه الطريق، يقوم بتنظيفه وصيانته يومياً.

كان عبر هذه الأبيات التي يرددها يحثني على السفر والقراءة كأداتين للمعرفة، ولا أعرف كيف تأتَى لهذا الشيخ الأمي مثل هذه الدراية بأهمية الترحال، وهو المستقر، طيلة عمره الذي ناهز المائة عام، في منطقة محدودة من الجبل الأخضر لم يغادرها إلا لسنوات مجبراً إلى معتقل العقيلة الذي عايش فيه إحدى أبشع جرائم الفاشية حين انفردت بمجتمع أعزل ومعزول عن ضمير العالم، أو في فترة أدائه لمناسك الحج، أواخر الستينات، حيث رأيته للمرة الأولى يحمل حقيبة ويقف على جانب الطريق في انتظار سيارة تقله إلى مطار بنينة، كنت ألهو بجانبه حين ودعني وركب السيارة وانطلق صوب الأرض المقدسة، وظللت أراقب رايته البيضاء المرفرفة فوق بيت الشَّعر؛ والتي كنا نخاف التفافها على السارية الصغيرة، لأن عدم تحركها بانسياب مع الريح يعني أنه يعاني من كدر أو من مأزق في رحلته، حتى فاجأنا بعودته ونحن داخل البيت ودون أية مقدمات، بعكس مواكب الأعراس التي ترافق الحاج الآن في سفره وعودته. عاد أبي بلقب الحاج عندما كان لهذا اللقب معنى، وبصف من الأسنان الذهبية، وبمزيد من النحافة والسمرة.

كانت تلك تجربه سفره الاختيارية الوحيدة هو الشغوف بقيمة السفر التي ما فتئ يحدثني عنها

شكل اعتقادي الفطري بتلك الراية بوادر ولع الإنسان بقوة الخرافة الذي يعكس رغبة جامحة لديه بالتنبؤ بالغيب، وتحويل الأشياء إلى تقنية الروح المأخوذة باختراق الزمان والمكان. عاد أبي فنصبت أمي سارية تلك الراية الخشبيةَ وسط عصيدة الاحتفال كشاهد على زمن الحنين والانتظار.

كان يبهرني لمعان أسنانه الذهبية وهو يتحدث للرفاق عن مغامرته في الأراضي المقدسة، وعن رهبة تلك الأمكنة المشحونة بتاريخ الروح إلى أقصاها. ومع السنين، وبعد أن تساقطت أسنان أبي الذهبية الواحدة تلو الأخرى، صار الحجاج العائدون من مكة يتحدثون بانبهار عن فخامة مطار جدة وعن المصاعد والمكيفات ودروب الرخام والفتارين الزاهية، وعن أحدث وسائل التقنية التي حل إبهارها ورهبتها بدل إبهار ورهبة الأماكن المقدسة التي لفها سحر من منتجات الحضارة الراهنة.

كانت تلك تجربه سفره الاختيارية الوحيدة، هو الشغوف بقيمة السفر التي ما فتئ يحدثني عنها. عند عودتي من سفري الأول، نهاية الثمانينيات، إلى شرق آسيا، تايلاند وسنغافورا، دون أن أترك راية بيضاء ترفرف خلفي، طلب مني أن أحدثه باستفاضة عن هذه التجربة، فسردت له ما يصلح للسرد العائلي وهو يتفحص الصور التي أحضرتها معي، إلى أن رماها فجأة بعيداً حين لاحت له صورتي وثعبان كبير يتدلى على كتفي، ليقول لي بغضب وخيبة: "هذي هي اللي امتعبتك لآخر الدنيا".

ربما حب أن يراني محتضناً كائناً آخر أكثر رقة وحميمية، لكنني تذكرت أحد مواسم الحصاد حين جئته أحمل ثعبانا وأنا فرح باصطياده، فركض بعيداً وهو يقذفني بالحجارة، واكتشفت للمرة الأولى أن أبي الذي كان يشكل لي رمزاً للشجاعة يخاف الثعابين إلى درجة الفوبيا، غير أن أبي الذي أعتبره قدوتي في التسامح رأيته في مرة أخرى مشفقاً على ثعبان علق بغراء الفئران في مخزن الحبوب، معتبراً إياه أكثر فاعلية في اصطياد الفئران من الغراء، كان يتغلب على خوفه من أجل هذا الكائن الذي يبدو في تلك الحالة مفيداً، وشكل لدي التحام الخوف بالشفقة، أو بالأحرى درء هاجس الخوف بتعويذة المصلحة، مفارقة الكائن المجبول من الفكرة وضدها، الذي بمقدوره أن يحتشد بالتناقضات التي لا تلغي منطقه أو اتساقه الداخلي، لأن هذا الجدل في داخلنا هو سر ارتباكنا الفطري أمام الحقيقة، ويبدو أن عالما تشيده الحواس في حالة بحثها عن الحقيقة أكثر صلابة من عالم يجعله العقل وحده حاسرا من أية قوة ممكنة للحدس. وما بين مشهد هروب أبي من الثعبان ومحاولة فكه من الغراء، كان يتبلور مفهومي الابتدائي لقبول التناقضات حين تغدو حكمة التعايش الممكن بين التضادات الحادة في دواخلنا.

وبعد زمن ضاعف فيه الهاجس الأمني مساحة الزفت في الوطن دون أن تولى أهمية لحياة الإنسان، يتحول الآن في بداية الألفية الثالثة دربا موحشاً للموت المتربص على ضفافه

لا أدري كيف استرسلت في هذا الحديث، لكن ما يهمني هو ذلك المرسل الذي تحمله أبيات شعر، كانت تُهاجَى بها الرحا الساهرة على تخوم الجوع، عن أهمية السفر والقراءة للمعرفة، وأيضاً ذلك الطريق العام النظيف الذي كان يقوم حوالي ألفي عامل بتنظيفه يومياً من رأس اجدير إلى مساعد، والذي أصبح الآن، بعد أن ألغيت هذه الوظيفة بداية السبعينيات، دون تخطيط أو إشارات أو مصارف لمياه الأمطار، تتراكم القمامة على حواشيه وتتعفن فوقه الحيوانات النافقة، كمؤشر على صعوبة التواصل التي نكابدها الآن على جميع الأصعدة.

ذلك الطريق الذي دشنه حاكم ليبيا الفاشي، إيتالو بالبو، منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، ليوحد به هذه الأرض التي سميت ليبيا، وأعاد رصفه وتوسيعه النظام الملكي نهاية الستينيات، ليؤكد على وحدة هذه الأرض عبر عروق الإسفلت التي تسري في جسدها، وبعد زمن ضاعف فيه الهاجس الأمني مساحة الزفت في الوطن دون أن تولى أهمية لحياة الإنسان، يتحول الآن في بداية الألفية الثالثة دربا موحشاً للموت المتربص على ضفافه، مملوءا بالكمائن وقطاع الطرق والبوابات الرسمية والوهمية والمفخخات والمطبات التي تتناسل يومياً. يتحول إلى ممر سريع إلى القبر بما يشهده من حوادث سير يومية، ويكف عن كونه وسيلة آمنة للسفر الذي طالما حثني عليه أبي حين كان تأمين الطريق للمسافرين دوامه اليومي، وحين كان السفر في هذا الوطن آمنا كالمشي في البيت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات