حلب سوريا النهائي!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

-1
كنتُ نهاية القرن الماضي في دمشق، وفي لقاء إذاعي مع مذيعة سورية شهيرة أرادت مني أن أتكلم عن سيرتي ككاتب، فسردتُ باقتضاب، ولما انتهيت من إجابتي علقت: لكنك لم تُشر لفترة عقد كامل بين عامي 1978 و1988 تقريبا، قاطعتُها وقُلت كنتُ في السجن واسترسلتُ فقاطعتني أكثر من مرة، لكن لم أهتم كنت راغبا في سرد جزء هام من تجربتي الشخصية وككاتب على الخصوص، عقب انتهاء اللقاء الذي كان على الهواء مباشرة وفي مقهى الإذاعة حيث اُستضفت منها وزملاء لها على فنجان قهوة قالت: لقد طلبتُ منك ألا نتحدث عن السجن خاصة سجين رأي، لدينا تعليمات تخص ذلك، قلت لقد وفيت بوعدي لكِ، لكن أنتِ من علقتِ: لكنك لم تشر لفترة عقد كامل بين عامي 1978 و1988 تقريبا؟ ثم أخذ الحديث مسارا سياسيا وقد انغمس الحاضرون في السخرية والتهكم من القذافي كديكتاتور كاريكاتوري، قلت لهم: لكنهُ لا يختلف كثيرا عن ديكتاتور هنا، وديكتاتور هناك، وأشرتُ بإصبعي إلى الأرض ثم في الهواء اتجاه العراق، بغتة انفض الجميع من حولي ففطنت إلى أني في مبنى المحطة الإذاعية السورية، وأنهم لما سخروا من القذافي كانوا يسخرون من الأسد بمواربة، وأني كالطفل الذي أشار إلى عُري الملك.

-2
سوريا المحتلة من قبل آل الأسد لستة وأربعين عاما عاشت قبل تحت ويلات انقلابات عسكرية متعددة منذ استقلالها 1946 حتى انقلاب حافظ 1970، سوريا المحتلة من قبل آل الأسد عاشت قروناً تحت الاحتلال التركي لكن لم تكن سوريا التي نعرف، الجيو سياسي السوري الذي نعرف كان نتاج احتلال لعقود من قبل فرنسا 1920 – 1946 وتخريط سايكس بيكو للمشرق العربي، وهكذا الجيو سياسي هذا لم يكمل القرن من الزمان وقد ضم فسيفساء ديموغرافية وحدود جغرافيا ملغومة مع الجيران: تركيا والعراق وخاصة فلسطين ما ستكون بقوة الإمبريالية العالمية وطن الدين اليهودي، وخلال النصف قرن المنصرم حقق آل الأسد سيطرة مضطردة على زمام الأمور في البلاد بالحديد والنار، تخللتها حرب قصيرة مع إسرائيل أكتوبر 1973، وتدخل في لبنان بين عامي 1975 و2005.

هكذا أمست سوريا بفضل الأسرة الحاكمة -آل الأسد-أرضا لحرب باردة جديدة وغدا المنتصر الوحيد فيها هو الكيان الصهيوني

-3
سوريا هذه عاشت لخمسين سنة حروبا داخلية وخارجية واضطهادا وعسفا تفجرت في الربيع العربي بثورة مارس 2011 التي واجهها بشار الأسد بحرب معلنة حيث أعلن الدكتور بشار أنه يريد خلاص سوريا من الإرهاب، هذا هو دافع القتل الذي مارسه الطبيب الأسد. وهذا العامل الرئيس ما جعل من سوريا في مواجهة :
1 - داعش وأخواتها.
2- التحالف الدولي من 60 دولة بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة الارهاب.
3- دولة روسيا حليف الأسد لمحاربة الإرهاب.
4- تركيا التي تحارب الإرهاب في سوريا وخاصة الكردي منه.
5- المنظمات الشيعية وعلى رأسها حزب الله لمحاربة الإرهاب السني.
6- دعم إسرائيلي للأسد لمحاربة الإرهاب.

هكذا أمست سوريا بفضل الأسرة الحاكمة -آل الأسد-أرضا لحرب باردة جديدة، وغدا المنتصر الوحيد فيها هو الكيان الصهيوني لأن مآل الحرب تدمير سوريا، وما معركة حلب إلا مؤشر عما آلت إليه الأوضاع، وفي هذه الحالة يبدو التقسيم ليس فاجعة إن حقق شيئا من الاستقرار والأهم العدالة والحرية بل إنه ينقذ السوريين من الحالة العراقية التي تموج منذ عقد ونيف في حالة اللادولة.

-4
الطبيب بشار الأسد بمناسبة العام الجديد صرح أن السوريين تعلموا من محاربة الإرهاب الكثير، وأنهم غدوا قادرين على الانتصار وبناء دولتهم من جديد وأن يعودوا إلى بلادهم من المهاجر. وأرى أنه يبشر بحرب لحرق ما تبقي من أخضر ويابس، وأنه يرى أن الحرب خارطة طريق، وبذا فحلب النهاية الحتمية لسوريا في منظار الأسد، ولسان حاله علي وعلى أعدائي وسيكون نصير شمشون الدولة اليهودية من أجل سوريا دولة علوية تُحاذي دولة حزب الله الشيعية على الأرض في لبنان، ودولة حماس السنية في غزة، وهذا يتم باستثمار الوقت وبتضييعه في مشاريع حروب داخلية لا تنتهي حتى تبدأ.

إن تجار الحروب وساستها الدوليين والإقليميين يرون أنه مازال بالإمكان استثمار هذه الحروب التي لم تأت أكلها بعد، لذا حلب المآل الأخير الذي تنحو إليه الإرادات الفاعلة حتى الآن في المنطقة، وقد تمكنت من أن تجعل الربيع العربي ربيع الحروب بالوكالة، ولكنْ للإرهاب رأي أخر وهو ما يمكن أن يعيد كيد تجار الحروب وساستها الدوليين والإقليميين في نحورهم، فكما تبين أن نار الربيع العربي لم تحرق منطقته فحسب بل والعالم، أو كما وكد ترامب واليمين المتطرف في الغرب: حلب سوريا تتسع إلى درجة أن تغدو حرب العالم الثالثة. ولنا أن نعتبر إن بقي للعقل سُلطان.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات