شوال الرمل

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

حاول ماو تسي تونغ القضاء على الاعتقاد الصيني التقليدي بأن أولئك الذين يعملون بأذهانهم أفضل من الذين يعملون بأيديهم؛ فنظم الثورة الثقافية، إذ رأى أنها وسيلته في القضاء على المثقفين الذين كان يحتقرهم من دون أن يعرف أحد سببا مقنعا لهذه الكراهية، حتى إنه أرغمهم على ممارسة العمل اليدوي. ولكن ما خطر على باله أبدا أن ينطلق الآلاف من شباب الصين يهتفون في ميدانه الكبير بعد سنتين من وفاته: "تحيا الديمقراطية".

لم يخطر على باله أبدا أن تنتشر مدارس باتساع الصين للأطفال الموهوبين لتُعد منهم صفوة مثقفة تتولى قيادة البلاد. كان هناك نائب فظ لرئيس وزرائه، اسمه (تنغ هسياو بنغ) أقصاه (ماو) أثناء حملات التطهير إبان ثورته الثقافية، ولكنه أعاده ثانية، ثم أقصاه مرة أخرى سنة 197. ولكن (تنغ) عاد إلى المسرح السياسي الصيني من بعد عام من وفاة ماو.

(تنغ) كان يراقب من منفاه أخطاء نظام (ماو). وكان السبب الذي أبعد (تنغ) أثناء الثورة الثقافية أنه قال: "لا يهم ما إذا كانت القطة بيضاء أو سوداء.المهم أنها تصطاد الفئران". بعدما تولى (تنغ) أسس سياسته على افتراض عملي بسيط خلاصته هي:"معرفته الحقيقة من الواقع العملي" ثم فسر ذلك قائلا: "عندما أقول الواقع العملي فإنني لا أقصد (أقوال ماو) إنما أقصد الواقع العملي الحقيقي. كان يعرف على نحو ما أن العلم قام على نظرية فرنسيس بيكون سنة 1561: "خلاصته التجربة العملية والاستنتاج" ولا شيء غير ذلك.

الحقيقة أنا لا أريد أن أتحدث عن الصين بقدر ما أريد أن أتحدث عن حادثة خطف طائرة الخطوط الأفريقية

من بعد وفاة (ماو) أُطلق سراح المعتقلين البالغ عددهم 110.000 سجنوا منذ 20 سنة بسبب اتهامهم بمُعاداة نظام (ماو). وكان أخطر ما واجه الصين هو كيفية التعامل مع إرث رجال نظام (ماو). اعترف الصينيون الذين ورثوا نظام (ماو) أنهم أخطأوا كثيرا تجاه عدد من رجاله، ولكنهم استدركوا ذلك قبل فوت الأوان. عالجوا الأمر ليس باصطياد رجال ماو أو معاقبتهم أو بعزلهم، ولكنهم استعانوا بهم في معالجة الأمر من أساسه. تعاونوا معهم للوصول إلى حقيقة وهي انهم يدفعون ثمنا باهظا لأنهم ألّهو الرئيس ماو.

ثم أخذت الصحافة تنتقد علنا، ولأول مرة (الكتاب الأحمر). قاموا باديء الأمر بإبراز خطاب لماو لم يسبق نشره، كان قد ألقاه سنة 1962 يعلن فيه مسئوليته عن مواطن الضعف والأخطاء في عمله جراء الوثبة العجيبة بأفكاره الغريبة. عندها تولى المثقفون نقد ثورة ماو الثقافية. كان النقد متجها إلى النظرية وليس إلى أدواتها، ونحو معالجتها وليس إلى الانتقام منها. واتجهت الصين نحو مصالحها وليس نحو أصدقائها، لدرجة أن اليابان التي اجتاحت الصين أثناء الحرب العالمية الثانية أصبحت أقرب أصدقائها في العالم، ثم استأنفت علاقاتها الدبلوماسية كاملة مع أمريكا.

منذ سنوات صدرت رواية (بجعات برية) للروائية الصينية (يونغ تشانغ) تتحدث عن تاريخ دراما الصين من خلال حياة ثلاث نساء الكاتبة والأم والجدة، عن الفترة ما بين سنة 1909 إلى 1978؛ والرواية ممتعة ممتلئة بالمعلومات خصوصا ما يغطى فترة حكم (ماو) منها أفكار كثيرة وحكايات عاصرنا نحن في ليبيا مثلها، لعل أبرزها مشروع تربية الدجاج في أقفاص بشرفات المنازل. والرواية توضح بطريقة أو بأخرى كيف عالجت الصين انفتاحها على العالم، وكيف تعاملت مع أفكار "النظام السابق" وليس رجال النظام السابق، صحيح أنها حاسبت المسيء منهم فقط. فكان ذلك من الأشياء التي سهلت تغلبها على أزماتها.

الحقيقة أنا لا أريد أن أتحدث عن الصين بقدر ما أريد أن أتحدث عن حادثة خطف طائرة الخطوط الأفريقية يوم 23/12/2016. لقد ركز الناس والعالم على مسألة العلم الأخضر وحزب الفاتح الجديد، فخطر على بالي واحدة من قصص موسم حكايات الفاخري، عن ذلك الذي يتنقل يوميا عبر الحدود الليبية المصرية بدراجة يحمل عليها شوالا مملوءا بالرمال، وكانوا يفتشون الرمال حبة حبه ويدخل وجهته. بعد سنوات التقى أحد ضباط جمرك الحدود الليبية مع أخينا صاحب شوال الرمل. فقال له: "اسمع أنا أعرف أنك كنت تهرب شيئا في شوال الرمال. بالله عليك أن تخبرني ماذا كنت تهرب؟ أجابه أخينا: "الدراجة".

نحن نسينا أن الجنوب مهمش تماما وأنه خارج نطاق التغطية، وأن بعض الشباب عاجزون عن السفر إلى طرابلس فما بالك إلى مالطا، ونسينا أن كثيرين من رجال النظام السابق مقيمون هناك وأنهم جزء من النسيج الاجتماعي الليبي، ويبدو أن هناك من لا يريد إشراكهم في التوافق ولم ننتبه إلى تجارب من سبقونا الذين عالجوا أساس المشكلة وليس نتائجها. رجال النظام السابق لا يحتاجون إلى خطف طائرة لمغادرة البلاد ولكن حجم الفساد الذي وصل كل شيء جعلنا ننسى أن المُفسدين قادرون على تهريب الدراجات "عيني عينك". قنوات التواصل الاجتماعي تتحدث عن كمية وقود لم تعتد طائرات الأفريقية التزود بها يقولون إن المعتاد من 7000 إلى 8000 لتر في حين أن الطائرة المخطوفة أخذت 13000 وتتحدث المواقع أيضا عن ذهب هُرب وعن أموال كانت مُخزنة في قاعدة (تمنهنت) وبضعة كوارث أخرى، تهون أمام تجاهلنا لواقعنا والحاجة إلى إصلاحه. كل سنة وليبيا بخير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات