أديان العرب قبل الإسلام وتميز الحنيفية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

حتى حوالي القرن الرابع الميلادي كان العرب كلهم، تقريبا وثنيين. فكانت العبادات الطوطمية، والسحرية (الاعتقاد بوجود قوى خفية تستوطن الجمادات بشكل دائم أو مؤقت) وعبادة الأسلاف، والأجرام السماوية، والأصنام والأوثان، سائدة. ثم دخلت الزرادشتية والمجوسية والمزدكية، إضافة إلى الدينين التوحيديين المعروفين اليهودية والمسيحية، أو النصرانية، مثلما يسميها العرب.

وفي البداية (1: 151)* كانت كل قبيلة تتعصب لمعبوداتها (خصوصا في حالة عبادة الأسلاف) ولا تعترف بمعبودات القبائل الأخرى، وكان هذا التعصب عاملا أساسيا في انقسامية المجتمع العربي القبلي وعدم توحده تحت راية دولة مركزية واحدة. ولم يتولد الاعتراف بمعبودات لا تعبد في القبيلة وينشأ التسامح الديني إلا "بعد دخول المصالح التجارية للمنطقة، واستعمال النقد، وظهور مصالح لأفراد في قبيلة ترتبط بمصالح لأفراد في قبيلة أخرى، مما أدى لاعتراف متبادل بالأرباب. وهو الأمر الذي بدأ يظهر خاصة في المدن الكبرى بالجزيرة على خط التجارة، في العصر الجاهلي الأخير، كما حدث في مكة والطائف ويثرب وغيرها."(1: 151).

لكن كان يوجد "توجه" أو "تيار" ديني توحيدي، يلفه كثير من الغموض، هو تيار الحنيفية الذي يسمى متبنوه الحنفاء أو الأحناف ويعتبر امتدادا لشريعة النبي إبراهيم. لكن الفخر الرازي يقول أن الحنفاء لم يكونوا يعرفون تاريخ نشوء عقدتهم، لذا "نسبوها إلى إبراهيم النبي العبر ي" (1: 51). ونقول عنه توجه أو تيار لأنه لم تكن لأتباعه "عقيدة معينة فكانوا يختلفون بآرائهم  ويجتمعون على التوحيد ورقي التفكير" 2**. إنه مجرد مذهب أخلاقي وروحي ولم يكن عقيدة دعوية تبشيرية.

ثمة من يرد الكلمة إلى "أصل إرمي، وقد كانت معروفة عند النصارى وأخذها الجاهليون منهم، وأطلقت على القائلين بالتوحيد من العرب، على أولئك الذين ظهروا في اليمن خاصة ونادوا بالتوحيد وعبادة الرحمن. وهي ديانة توحيد ظهرت بتأثير اليهودية والنصرانية، غير أن أصحابها لم يكونوا يهودا أو نصارى وإنما كانت فرقة مستقلة تأثرت بالديانتين." 3: 453) . وهناك من يردها إلى أصل عبراني هو (تحينوت (tchinoth أو (حنف) (Hnet (3: 453. ويرى جواد على (3: 454) أن معنى كلمة حنيف في الأصل (صابئ) "أي خارج عن ملة قوم، تارك لعبادتهم.. وبمعنى (الملحد) و (المنافق) في لغة بني إرم ومن إطلاق (المسعودي) و (ابن العبري) هذه اللفظة على الصابئة. ومن ذهاب المسعودي إلى أن اللفظة من الألفاظ السريانية المعربة"(3: 454). أما في العربية فالمعنى الأصلي للفظة "حَنَفَ" هو مال عن الشيء، ولاحقا أخذت معنى سلوكيا أخلاقيا. ففي لسان العرب: "الحنيف المائل من خير إلى شر أو من شر إلى خير". ثم استقر معناها على أتباع التيار الديني محل الحديث. ويرى سيد محمود القمني أن " التوحيد بمعناه الحنفي يعود إلى زمن بعيد، فحوالي القرن الأول قبل الميلاد كان بعض أهل اليمن يعبدون إلهاً باسم (ذوى سموي) أو إله السماء، كإله واحد، وقد ذكرت نقوش المسند اليمنية عبادة إله واحد يدعى (رحمن)، ويرى الباحثون أنهما كانا مسميين لواحد" (1: 51). وتؤكد ثريا منقوش " أن عباد هذا الإله كانوا يعرفون بالأحناف" (1: 51).

اللافت للانتباه أن عددا منهم تنصر ولم نسمع عن اعتناق أحدهم للديانة اليهودية، ويبدو أن هذا عائد إلى كون الديانة اليهودية ديانة مغلقة وليست ديانة تبشيرية ولا يكون المرء يهوديا إلا إذا كانت أمه يهودية.

كان الأحناف، أو الحنفاء أفرادا من قبائل متفرقة اجتمعوا على " رفض الكثير من الأخلاقيات والمعتقدات والطقوس السائدة ، وفي الدعوة إلى الإصلاح الديني والاجتماعي ، وأهمها رفض تعددية الآلهة . وهذا المعنى واضح في كل الأخبار التي ذكرت الحنفاء."2 وقد نبذوا عبادة النصب والتماثيل والأوثان وامتنعوا عن أكل المَيْتَةِ والدِّمِ والذبائح التي تذبح لغير الله، وكُرْهِ الخمر وترك شربها2. هذا في مجال السلوك، أما المعتقدات فقد تمثلت في الإيمان بإله خالق رازق محييٍ مميت لا راد لأمره وفي الحج وتعظيم الكعبة والإيمان باليوم الآخر2. وثمة ما يشير إلى أنه كان من عادتهم، أو عادة بعضهم على الأقل، التعبد في غار حراء أوقاتا معينة من السنة. فمثلا يذكر جواد علي أن هذه العادة "على ما يظهر كانت معروفة عند المتدينين من عرب الجاهلية"4.

حفظ لنا التاريخ أسماء أهم الحنفاء وهم: زيد بن عمرو بن نفيل، وقُسّ بن ساعدة، وصِرْمة بن أبي أنس من بني النجّار، وأمية بن أبي الصّلت، وخالد بن سنان العبسي، وورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وعامر بن الظرب العُدواني، وعمير بن جندب الجهني. ويورد سيد محمود القمني روايات تؤكد على أن عبد المطلب، جد الرسول، كان من الحنفاء وكان يسلك سلوكهم ويتعبد في غار حراء (1: 61).

* يشير الرقم الأول إلى رقم المرجع في القائمة أدناه، ويشير الرقم الثاني إلى رقم الصفحة المأخوذ عنها.

1)    سيد القمني. الحزب الهاشمي. في: سيد القمني: الإسلاميات. قراءة اجتماعية سياسية للسيرة النبوية. المركز المصري لبحوث الحضارة. 2002. (د.م)
2)    كشف المستور وراء تجاهل الحنفاء قبل ظهور دعوة النبي محمد !!! ** يوجد خطأ نحوي وسهو إملائي في الأصل، صوبناهما.
3)    جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. ج 6. ط2. (د. ن) 1993 . بيروت
4)   مجلة الرسالة/العدد 636/أول صلاة في الإسلام

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : دندشي

    19.02.2017 الساعة 11:56

    أشكرك لهذا المقال سيّد الككلي. قراءة مثرية فعلاً فتحت لي آقاقاً جديدة في فهم المجتمع العربي عند مجيء الإسلام. قمتُ خلال دراستي الجامعيّة العام الفائت بتقديم عرض إجتماعي لسكان شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام وخلال فترة النبوّة المحمّدية ولم أقع في أيّ من القراءات التي استندت عليها في بحثي على هؤلاء الحنفيّين. لقد أضأتَ لي شمعة في معرفة هذا المجتمع وفهم الأرضيّة التي سهّلت عند العرب الحنفيين اعتناق الدين الجديد.