«فبراير الأسود»

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

لا أذكر أن لي علاقة خاصة بشهر فبراير، أو أنه مرتبط لدي بذكريات حلوة أو سيئة، وكل ما أذكره عنه أن البادية يسمونه شهر فورار، ويستبشرون بالمطر فيه، كما أذكر أننا كنا نطلق على معلم مصري قصير القامة، درَّسنا في المرحلة الإعدادية بمدرسة القيقب، اسم:أستاذ فبراير. لأنه كان الأقصر في 12 معلما في المدرسة، هذا قبل أن يمحوَ القذافي فبراير من قاموس جيل كامل بتسميته شهر النوار في سياق تغيير لكل مفردات التقويم في ليبيا.

أما بالنسبة لـ(الأسود) فهو لون ارتبط لدى الليبيين بالتطير والتشاؤم، لذلك عادة ما يسمون الفحم بياضا من باب التفاؤل، أو يستبدلون صفة الأسود بالأسعد، فيقولون الكمون الأسعد أو الخروف الأسعد بدل الأسود، ومن جانب آخر كثيرا ما تتغزل القريحة الشعبية في السواد حين يكون لون عيني أو ضفائر الحبيبة.

"فبراير الأسود" فلم مصري كوميدي أنتج عام 2013 من بطولة الممثل، خالد صالح، تابعته منذ أيام بعد أن شدني اسمه أعلى الشاشة، وأحببت أن أعرف من أين جاءت هذه التسمية؟ وما الذي يجعل يوما أو شهراً مرتبطا لدى الذاكرة الجمعية بالسواد أو المقت؟.

ما أذكره عن علاقتنا بالشهور الميلادية أن ثمة تشاؤماً أو كرها مكبوتا لشهر سبتمبر الذي سماه القذافي شهر الفاتح، فهو شهر الانقلاب والشهر الذي شنق فيه عمر المختار والشهر الذي مات فيه جمال عبدالناصر والشهر الذي سُمي أيلول الأسود في ذاكرة النضال الفلسطيني. كما تولد لدينا نوع من التطير من شهر أبريل ، ليس لأنه يبدأ بكذبة كما هو دارج عالميا، ولكن بسبب شنق طلاب الجامعات السنوي في هذا الشهر حيث ارتبط مصطلح "السابع من أبريل" بالرعب الذي ينتظره طلاب الجامعات الليبية كل سنة.

"ما فيش حد يقدر يعيش مطمن على كرامته وحياته وأسرته إلا الأفراد في هذه المنظومات الثلاث، أولاً منظومة الجهات السيادية: الحكومة.. أمن الدولة.. المخابرات بأنواعها. ثانيًا منظومة العدالة: القضاء.. النيابة.. الشرطة. ثالثًا منظومة الثروة، والحقيقة المنظومة ديه تكاد تشتري المنظومتين الأولانيين. الناس ديه بس هي اللي بتقدر تنام وهي مطمنة أن ماحدش هيقدر يأزيها ولا يبوز لها حياتها، ولذلك نقدر نسميهم الفئات الآمنة إلى يوم الدين، أما اللي زينا، فاحنا مرشحين في أي لحظة ناخد بالجزمة. لا قيمة لنا في هذا الوطن اللي أصبح وطنهم هم واحنا بقينا لاجئين عندهم".

هذا مشهد قوي من فلم "فبراير الأسود" تحلل فيه الشخصية، التي يلعب دورها الممثل خالد صالح، الوضع المصري الذي عاشه المصريون ردحاـ قبل ثورة يناير وبعدهاـ تحت نير هذه السلطات التي يتقاسمها قلة ويستعبدون بها الملايين، وهذه العلاقة الجدلية بين هذه السلطات غير المفصولة وغير المستقلة هي التي احتكرت الوطن وحولته إلى ما يشبه المنفى لدى مواطنيه.

ولكن ما علاقة فبراير بكل ذلك؟ ولماذا هو أسود بالنسبة لهذه الدراما الكوميدية أو ما يسمى بالكوميديا السوداء؟ التي عشت معها وقتا من الضحك وإن لم يفارقه ألم خفي.

يرصد الفلم الطريف مفارقات مضحكة يتعرض لها دكتور جامعي، وعالم كيميائي يبحث عن الشهرة عبر اختراعاته التي يتعرض بسببها للكثير من المواقف الكوميدية، ليصل به الأمر إلى أن يصبح بائع طرشي. ووسط واقع محبط يلاحقهما بالمشاكل والسخرية، يفكران في الهجرة خارج البلد مع عائلتيهما وتتوالى المفارقات التي تجعل حتى من فكرة الرحيل نكتة لا تكتمل بسبب مفاجآت أخرى. وتدور الأحداث في شهر فبراير المليء بالذكريات الأليمة، تتابع فيه التحقيقات الصحفية التي ترصد أربع كوارث حدثت في مصر في هذا الشهر المشؤوم.

حادث قطار العياط المنطلق من القاهرة إلى أسوان، فبراير العام 2002، والذي راح ضحيته 361 قتيلاً ومئات المصابين من المسافرين لقضاء عطلة عيد الأضحى مع أهاليهم.

كارثة غرق العبارة التي كانت تقل العائدين من مناسك الحج، فبراير العام 2006 ، غرق فيها 1400 مواطن مصري بسبب الإهمال.

موقعة الجمل، فبراير العام 2011، التي قاوم فيها شباب ميدان التحرير هجوما من البلطجية على الخيول والجمال، وسقط يومها 15 قتيلا من المعتصمين في الميدان.

حادثة ستاد بورسعيد ، فبراير العام 2012 ، التي قتل فيها 78 مشجعا من ألتراس الأهلي ، ووافقت يوم الذكرى الأولى لموقعة الجمل في فبراير.

أربع كوارث صادف أن وقعت في شهر فبراير، ورغم أن التناول لهذه الكوارث اختار الشكل الكوميدي إلا أنه استطاع أن يسرب المرارة والنقد اللاذع في قالب من الضحك، ما يعكس خصوصية مصرية جعلت من النكتة إحدى أدوات المقاومة والنقد السياسي طوال تاريخها، وحتى الثورة المصرية اتسمت يومياتها بخفة الدم والنكتة رغم وتيرتها التراجيدية المتصاعدة يوميا، وقد تناغم الفلم مع هذه الوتيرة بشكل واضح.

أصبح لفبراير وقع خاص في الأذن الليبية، بعد أن ارتبط ببداية انتفاضة الليبيين على نظام من أعتى النظم الاستبدادية، جثم على الصدور أكثر من أربعة قرون، غير أنه بعد سقوط النظام، وما حدث في ليبيا من مآس وكوارث، أصبح الواقع ثقيلا بعض الشيء، وأصبح البعض يلعن فبراير صراحة حين يكون في طابور طويل أو يتابع الأخبار أمام الشاشة. ورغم كل ذلك كان لابد أن يحدث ما حدث في فبراير 2011 وما حدث بعده من صراع وألم،لأن التاريخ يقول أن لا استبداد يدوم، وكل استبداد ينتهي عادة ما تكون تداعياته اللاحقة أصعب من زمنه.

سنظل نحتفل بفبراير رغم هذه السنوات العجاف، وفي أسوأ الأحوال سنسميه كما تعودنا "فبراير الأسعد" من باب التفاؤل، حتى نستعيد ذكرياتنا الحلوة في هذا الشهر القصير المكير الذي يجعل من ربع أعمارنا سنوات بسيطة ومن ثلاث أرباعها سنوات كبيسة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    1.01.2017 الساعة 16:24

    المشهد هناك منظومات ثلاث وبتاع طرشي...! والمشهد هنا (ضاربي ودع ).(بلاهة قروي ) و(اكاديمي اسمعني ولا أسمعك ) مثلث قذر جعل من (الاغلبية باعة فحم )