نقراتُ الوقت العصيب

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

هذه الفقرة كتبتها من بعد سقوط نظام القذافي بسنة بمقال (نقر الديوك): "في خم الدجاج، يحق لزعيم الديوك، دون سواه، أن ينقر من يشاء من الدجاج، والديوك أيضا، وفي المقابل لا يستطيع أحد أن ينقره. وتسلسل سلطة النقر هذه تتدرج حتى ينتهي الأمر بأضعف ديوك الخم فينقر من الجميع، ولا يستطيع أن ينقر أحدا. ولأنه ليس هناك ليبي واحد يريد أن يكون مكان هذا الديك البائس، فالليبيون صبروا طويلا على النقر، حتى فاض بهم الكيل فثاروا، وواجهوا قوة غاشمة بصدور عارية إلاّ من الإيمان وكره دفين للناقرين المتسلطين، وخيل لهم، ولي أيضا، أنهم انتصروا وكسروا مناقير التسلط والاستبداد.

ولأن النقر في النظام المنهار كان من أعلى إلى أسفل، باعتبار أنه نظام تسلطي دكتاتوري، ولأن الشعب الليبي يريد نظاما ديمقراطيا، السلطة فيه للشعب، تبتديء من أسفل، يعني أن يصير النقر من أسفل إلى أعلى تدرجا مع هرم السلطة، وهكذا فإن البائس هو الذي يصير فوق هرم السلطة. ولأنه لا أحد، حسب تقديري، يريد أن يكون تحت رحمة نقر ستة ملايين، إلاّ إن كانت له مصلحة شخصية، كأن يتزوج بأربع نساء ويسكنهن في أربعة بيوت ويفتح لهن أربعة حسابات جارية في الداخل والخارج، أوقد تكون له نوايا أخرى لم تخطر على بالي. وهذا بالطبع أمر شخصي، وأيضا نسبي، ولكن واجبنا، نحن الذين طالنا النقر42 عاما- صارن الآن47- أن نعلن على الملأ منبهين: أن من يريد أن يكون على رأس الهرم السلطوي أن يأخذ الحيطة من المناقير التي لن ترحمه إن استفرد بقرار.

ولكن النقر ( الواعر) لم يعد لا من أعلى، ولا من أسفل، ولكن من خارج (الخم) وهذا أمر يثير الديوك فما بالك بالدجاج، لأن مبدأ (خُمنا) مثلما أعتقد: "أننا لا ننقر أحدا، ولا نحب أحدا ينقرنا" والديوك، بمختلف توجهاتها صارت حرة لا تخشى أحدا سوى الله، وبدأت تتململ من النقر الخارجي الذي كان البعض يشكك فيه غير أنه صار واضحا بشكل معلن.

سيادة الوزير سامح شكري، وزير خارجية مصر، قال للنخبة الليبية التي اجتمعت في القاهرة بشكل واضح ومباشر أنه على الليبيين أن ينتبهوا أنه لم يعد لديهم الوقت الكافي لمعالجة خلافاتهم وعليهم أن يتفقوا سريعا لأن العالم سوف يمضى قدما ولن ينتظرهم.

العالم ، كما نرى لم ينتظر مزيدا من صراع الأطراف المتحاربة في سوريا، وشاهدنا كيف هرب الناس بأرواحهم تاركين ثمرة كدهم في حلب وساروا على أقدامهم نحو أية خيمة تؤويهم. وابتهج المسحوقون البسطاء من الليبيين الذين يتسولون حقوقهم عبر طوابير تصطف من الأفجار، وفقدوا الدواء والهناء.

والآن يبدو أنهم ابتهجوا ببارقة أمل، تعلن أن ثمة توافقا على حل الأزمة الليبية، طرح المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب خارطة طريق، وأعلن كوبر إمكانية تنفيذها فهي تتوافق إلى حد كبير مع المقترحات التي صدرت في بيان "مجموعة الأربعين" الذين اجتمعوا في القاهرة مع سيادة وزير الخارجية المصري سامح شكري، الذي قابل السيد كوبلر بعد ذلك وفهم الناس أن ثمة فرصة حقيقية للتوافق.

ولكن الناس انتبهوا إلى (نقر) لا علاقة له بالأطراف الليبية. أعلن السيد كوبلر بعد يومين من تصريحاته بشأن إمكانية تحقيق توافق وقام بالنقرة الأولى؛ خلاصتها تصريحاته بأن لا فرصة باستبدال السيد فائز السراج، وبالرغم من احترامنا الشديد للسيد السراج لم يتحدث أحد عن استبداله، فجاءت النقرة وكأنها شرط للتوافق. النقرة الثانية جاءت أيضا من السيد كوبلر، عندما أعلن أن الوضع الليبي في تحسن بعدما زاد إنتاج النفط بسبب فتح خط أنابيب الزنتان متجاهلا، تحرير المثلث النفطى وبدء انتاجة المتوقف منذ فترة. ثم كانت النقرة الثالثة التي قال فيها أن إمكانية التوافق مروهنة بتعديل الإعلان الدستوري.

واستاء (الخم) من هذا النقر، خصوصا بعد نقرة السفير البريطاني، الذي اجتمع مع 18 عميد بلدية في بلادهم من دون إشارة واحدة لسبب وكيفية هذا الاجتماع، الذي لم يعقب عليه لا رئيس الوزراء ولا وزير الخارجية، ولا الداخلية. ولا أعتقد أن ثمة دبلوماسية في العالم تقره، فمن لا يعرف أنه لا يحق لسفير أن يخاطب (سفراجي ) في أية بلدية من دون موافقة مسبقة من وزارة الخارجية.

ثم جاءت نقرة صعبة من رئيس حكومة الوفاق الذي ثمن وهنأ البنيان المرصوص بانتصاراتهم ثم توجه بشكره لشباب بنغازي على انتصاراتهم أيضا من دون ذكر صريح للجيش الليبي الذي نظم هؤلاء الشباب ومكنهم من محاربة الإرهاب منذ أكثر من سنتين. فبدا الأمر كما لو أنه تجاهل متعمد للطرف الذي يسعى للتوافق معه.

هذه في تقديري نقرات ما كان لها أن تصدر في هذا الوقت الخطير. بعض المراقبين يقولون أنها نقرات من خارج الخم تريد أن تستمر هذه الفوضى تمهيدا لأمور بدأ الديوك بمختلف توجهاتهم ينتبهون إليها، وهي (العلفة) المجمدة في بنوك الغرب. بالمناسبة قرأت خبرا، قد يكون مدسوسا، يقول أن إيطاليا تحتاج إلى 30 مليار دولار للتغلب على أزمتها الاقتصادية. والحقيقة أنا لم أسمع إن لليبيا أموالا مجمدة في إيطاليا ولكنني أعرف أنها من أكثر دول العالم تحمسا للوفاق، ذلك بالطبع لنعينهم في مشكلة الهجرات غير الشرعية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات