صناعة القتلة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

"حين حدثني صديقي عن تنظيم إسلامي مسلح، كان يخبرني عن الردة في المجتمع وكفر الأنظمة وحرب الإلحاد وعن واجب الجهاد، وغير ذلك مما ينعش ذلك الشغف البطولي البعيد عندما كنت ألعب دور القائد ونحن نتبارز بالسيوف الخشبية، وكنت أفكر في أمر واحد، تصفية الحساب مع كل لحظة قهر، ومع ميراث ثقيل من الهوان، تصفية الحساب مع كل من صادروا رغباتي وسرقوا أحلامي، وقبل كل شيء كنت أريد الانتقام من نفسي نفسها، كنت أريد لها أن تدخل في نفق لا أعرف نهايته كي أكفر عن كل إيماءات الموافقة، وعن كل تمارين الانصياع ، ودون أن أدري وبعد العديد من الاجتماعات السرية والخطط التي لم تنفذ والمحطات التي مررت بها، وجدت نفسي في جبال أفغانستان البعيدة أحارب مع رجال ملتحين لا أعرفهم ولا أعرف ماذا يريدون بالضبط، لكن كلما وجهت بندقيتي لهدف انتصب أمامي طابور من الأعداء المتمترسين في أدغال الذاكرة، المعلم القاسي وأبي والناظر ومشرف القسم الداخلي الشاذ وذلك الرجل المجهول الذي انتزع عزيزة من سريري، فكنت أضرب دون هوادة وأنا أهتف الله أكبر .."

هذا جزء من بوح بطل روايتي "اللحية" التي انتهيت من كتابتها نهاية العام 2008 ونشرت في بيروت العام 2011، حاولت أن أرصد فيها مراحل من تكوين صديقي؛ الذي كنت ألعب معه طفلا، ورافقته في صباي بالمرحلة الإعدادية حيث كنا وقتها نتنافس على حفظ شعر نزار قباني ونقرأ بعض الكتب معا. أرغمه والده على الدخول إلى المعهد الديني، وعلى حفظ القرآن، حتى يُكفر بواسطته عن خطاياه، وفصّله وفق رغباته الشخصية للدرجة التي تدخل فيها حتى في هندامه ومشيته حينما عمل مؤذنا لمسجد القرية، لم أر صديقي منذ أن حمل حقيبته وذهب إلى القسم الداخلي ليلتحق بالمعهد الديني، حيث تعرض هناك لقهر أبوي من نوع آخر عبر تحرش مدير القسم الداخلي به وقسوة مدير المعهد والمعلمين الشيوخ. ولم نلتق إلا بعد سنين طويلة في ممر الأمن الداخلي حيث قبض علي في إحدى البوابات بسبب شبهة لحيتي، إبان الصدام الذي وقع بين أجهزة الأمن وجماعة إسلامية متشددة في درنة، واللقاء الثاني كان في محطة سيارات الأجرة ببنغازي حيث قضى سنوات في السجن وأطلق سراحه في سياق المراجعة والمصالحة التي تمت مع النظام، وطيلة الرحلة البرية من بنغازي إلى درنة كان يحدثني عن كل ما حدث له بعد فراقنا منذ عقود.

في مدينة ميلانو شمال إيطاليا قتلت الشرطةُ المسؤولَ عن دهس عشرات المواطنين الألمان في سوق لبيع هدايا أعياد الميلاد ببرلين، أنيس العامري. وذكرتني سيرة العامري بشخصية رواية اللحية، ياسين، وبالتقنيات الاجتماعية التي تجعل من شخص ما، كان من المفترض أن يكون طريقه مختلفا، إرهابيا وقاتلا بالجملة.

شاب تونسي في مقتبل العمر، من عائلة متوسطة، عُرف عنه ارتكاب مخالفات جنائية متعلقة بالعنف الجسدي والسرقة، هاجر عبر قارب إلى أوروبا وتنقل بين دولها ساعيا للحصول على إقامة شرعية، لاحقته هناك نوازعه الإجرامية فارتكب العديد من الجنح التي أودع بسببها السجن أكثر من مرة، يتحول فجأة إلى الخبر الأول في نشرات الأخبار، بعد أن اختطف شاحنة بولندية، وطعن سائقها، ودهس بها عشرات الألمان في السوق، وهرب عابرا فرنسا التي يطبق فيها قانون طوارئ صارم حتى قتل في ميلانو.

المحللون النفسيون والاجتماعيون والمختصون في الجماعات الإسلامية يصبون جام تحاليلهم حول الشخصية والواقعة، لكن الارتباك في هذه التحاليل كان واضحا بسبب سيرة القاتل وطريقته في الهروب، والجميع يتفق على أنه إرهابي قادم من الضفة الأخرى للمتوسط، دون أن يجزموا ما إذا كان منظما ضمن تنظيم إرهابي أو ذئبا منفرد.

يقول عنه أخوه : " إنه يسكر ويبدأ في الهذيان. لم يكن يصلي. نشأ مثل معظم الشباب وقضى سنوات المراهقة هنا. نشعر بطبيعة الحال بالصدمة". ويضيف عن آخر اتصال به في أوروبا: "سألته هل سنراك. أجاب قائلا: إن شاء الله في شهر يناير. كان يضحك وروح الدعابة تطغى على حديثه، لم يبد أن ثمة شيئا غير طبيعي في سلوكه".

يحيل بعض المحللين هذا التحول الذي تم في فترة قصيرة إلى مؤسسة السجن التي أصبحت مصنعا مسيجا لإنتاج القتلة، والبعض إلى سلطة المساجد التي تصرف عليها بعض السفارات وتستخدمها كمنابر للتبشير بعقائدها الحاثة على الكراهية والعنف، لكن العامري خريج السجون، المتخلفة والمتقدمة، لم يعرف عنه التردد على المساجد، ولم يعرف عنه أي نوع من الورع الديني، وإن ظهر ما يثبت أنه بايع تنظيم داعش. فهل كانت هذه المبايعة التي تبدو شكلية فرصة لتصفية حسابه مع الجميع مثل الفرصة التي أتيحت لياسين في رواية اللحية؟ وهل ثمة آليات اجتماعية تتضافر كلها من أجل صناعة القاتل؟

كان هذا هو هاجس رواية اللحية التي كان شاغلها الأساسي مسألة الشبهة التي تلاحق الإنسان حتى لا يجد في النهاية مكانا يهرب إليه، ويصبح الانتحار أو تعذيب النفس طقسا تدميريا للذات والمحيط ، فيصب جام غضبه على المجتمع أو على البشرية كلها. بالطبع ليس كل من يتعرض لهذه الميكانيزمات الاجتماعية يتحول إلى حاقد أو قاتل، لكن ثمة من هو معد للاستجابة لهذه الضغوط بشكل سلبي. ويظل التهميش الاجتماعي؛ الذي رصده المفكر مصطفى حجازي في كتابه سيكولوجية الإنسان المقهور، مدخلا لمحاولة الإجابة على كثير من هذه الأسئلة.

في كتابه "رجال حول القذافي" يرصد الكاتب عبدالرحمن شلقم بعض الشخصيات التي استخدمها القذافي لتنفيذ مخططاته الشريرة، وما يربط بينها كونها شخصيات عانت في الطفولة والشباب من تهميش اجتماعي حاد نتيجة أصولها القبلية أو أوضاعها الاقتصادية، هي شخصيات قادمة من اللامكان وبالتالي ستستعير زمنا آخر أو تأتي من اللازمان كي تتحول إلى وحوش مطيعة. وربما هذا النزوع ما تذهب إليه رواية اللحية عبر رصدها شخصية أخرى نافذة من اللجان الثورية تشكل الوجه الآخر لشخصية الإرهابي ياسين، كلاهما مهمش، وكلاهما أسير اليوتوبيا العمياء، وكلاهما لديه الاستعداد الكامل للقتل بالجملة ولتصفية حسابه مع الجميع.

رواية اللحية ، سالم العوكلي ـ الدار العربية للعلوم ناشرون ـ بيروت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    28.12.2016 الساعة 12:52

    (بلاهة القروي المنكسر ) و ( سطوة الانكشاري القادم من اللا مكان ) سبب في الزملكان الذي تعيشه شعوب البقعة الجغرافية الواقعة ما بين تورابورا شرقا وبحر الظلمات غربا