من يوقف الحرب؟

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

انتظرت كولومبيا 50 عاما وهي في أتون حرب أهلية كي يأتي رجل استثنائي، لديه القدرة على صناعة الحدث، ولديه القدرة لإتخاذ القرار الصعب؛ قرار المصالحة مع طرف يسيل بينك وبينه نهر من الدم. ومثل هذه القرارات الصعبة هي التي تخلق السلام وتصنع مستقبل الأمم.

ذهب الرئيس خوان مانويل سانتوس، مباشرة، لاستشارة الشعب الذي دفع ثمن هذه الحرب الناشئة عن تمرد جزء من المجتمع تحت شعار الثورة ومسمى الثوار والذين في نهاية المطاف فتكوا بالشعب وهم يتحدثون باسمه، كنتيجة للأيدولوجيا حين تتحول إلى عقيدة وتتخذ العنف وسيلة لتطبيقها.

ذهب إلى استفتاء أصعب من إتخاذ القرار، ورفض الأغلبية هذه الاتفاق الذي جاء بعد ماراثون من المفاوضات، لأن الجرح مازال عميقا والدم لم يجف بعد، لكن سانتوس وزير الدفاع السابق الذي خاض حربا شرسة ضد منظمة فارك، كان يدرك سلطة المشاعر والعواطف في مثل هذه المواقف، ويعرف جيدا أن المشاعر حتى ولو كان يمثلها الأغلبية، أو الشارع كما يقال، لا تحقق سلاماً ولا تبني دولة. لم تكن للرئيس الكولومبي سلطة روحية وتاريخ من النضال كما كان لمانديلا مثلاً، لكن كانت لديه رؤية واضحة، ولديه ثقة في قراره الذي بقدر ما يحمل مرارة الإرث الدموي يحمل الأمل للأجيال القادمة كي تتعايش من أجل مستقبل واحد، فالحرب واقع سيء ومصنع جراح، والسبيل الوحيد لمعالجتها هو إيقافها وطي صفحتها المؤلمة.

لا يملك سانتوس تلك السلطة الروحية، لكنه لاذ بممكنات الدولة الديمقراطية، وبالنخبة الممثلة للناس التي تعرف أن المزيد من الانتقام والتشفي لا يمكن إلا أن يولد المزيد من الألم والخوف والدم، ولجأ إلى البرلمان من أجل إقرار الاتفاق السياسي مع حركة فارك بعد إدخال التعديلات التي تلبي إلى حد ما رغبة الشارع، واعتُمِد الاتفاق من الممثلين الحقيقيين للشعب والحريصين على مصالحه رغم نتائج الاستفتاء. لم تكن نتائج الاستفتاء إجراءا مقدسا في مثل هكذا ظروف، ولا الاتفاق السياسي نصا مقدسا لا يمكن المساس به، لأن الديمقراطية والقرارات الصعبة والرغبة في الخروج من الأزمة تتطلب المرونة والتنازل عن بعض الثوابت، وتتطلب من الشرعية ومن القوانين نفسها أن تنحني أمام تجاوزات هدفها المصالحة والسلام الاجتماعي.

الخروج من الأزمات الصعبة يحتاج إلى قرارات صعبة كما سبق أن قلت في مقالة سابقة: "لا عافية لليبيا إلا بالعفو ـ بوابة الوسط 3 فبراير 2015" أدعو فيها مجلس النواب لإصدار قانون حقيقي للعفو. وصدر القانون بتاريخ 28 يوليو 2015 بعد التصويت عليه بأغلبية، لكنه ظل مثل بيان تصدره جمعية خيرية أو حقوقية لا أحد يتحدث عنه، وكأنه نص غير ملزم رغم أنه صدر عن أعلى سلطة تشريعية في البلاد. لم يُفعّل في الواقع، بل إن الكثيرين من النواب الذين وافقوا عليه وأسهموا في إصداره مازالوا يخرجون علينا يوميا دعاة متحمسين للانقسام وللانتقام ولمزيد من الحرب.

ربما ما يحسب للبرلمان في مدته كلها إصداره لقانون العفو العام، وإلغاؤه لقانون العزل السياسي الذي حررته نوازع الانتقام الشخصي ومصالح فئات محددة دون أن يكون رأي للناس فيه، وهو قانون يقصي ما لا يقل عن ثلث المجتمع من مشاركتهم في بناء الدولة الجديدة، وحين يُقصَى هذا الكم من المجتمع فالطريق المسدود هو مصير بناء الدولة. هذه مدونات ستبقى في تاريخ المجلس، لكنها ستظل مجرد مدونات لا تخلو من الترف حين لا تُفعل على الأرض ولا تشكل لها لجان وخطط مدروسة لتعطي ضمانات فعلية للجميع؛ ليس ضمانات للنجاة من العقاب ولكن ضمانات لعدالة العقاب عبر تفعيل القانون والقضاء النزيه حين تستقر الدولة ومؤسساتها، وكما في مثل هذه القوانين دائما فإن الحقوق الشخصية لا تضيع ولا حقوق الناس، لكن ميزتها أن تضع بناء الدولة أولوية ملحة، ثم من خلال بناء مؤسسات الدولة القانونية والقضائية المستقلة يمكن استيفاء الحق لمن أراد بالطرق القانونية والحضارية، ومن أعفى فإنه تنازل عن حق أصيل من أجل بناء وطن، وهو ثمن يستحق.

تحدثت مرارا عن أهمية الأشخاص، رجالا أو نساء، في مثل هذه الأزمات، الأشخاص الذين يستطيعون اتخاذ القرارات الصعبة وصناعة الحدث، ما يجعل أسماءهم مرتبطة بالتأسيس في تاريخ الدول، والتاريخ البعيد والقريب زاخر بمثل هذه الأسماء التي ارتبطت بها عمليات إنقاذ بلدانها أو بنائها بناء حقيقيا، أسماء أشخاص جاءوا في ظروف صعبة واستطاعوا بما لهم من حكمة وخبرة وإرادة قوية أن يصنعوا الحدث ويخرجوا مجتمعاتهم من أشد أنواع الأزمات، ليس بالضرورة أن يكونوا زعماءَ أو حكاماًمستبدين، لكن غالبا ما أفرزتهم عملية ديمقراطية وصناديق اقتراع كما حدث في كولومبيا، فسانتوس الذي تحصل على جائزة نوبل لهذا العام، لم يكن زعيما ولا مستبدا، لكنه رئيس منتخب لمدة دستورية محددة يحاول أن ينجز فيها ما يرضي ضميره. وسيظل أحد الأسماء المهمة في أرشيف الإنجاز الكولومبي والإنساني عموما، ليس لأنه ضمن قائمة جائزة نوبل فقط لكنه ضمن أرشيف الحلم الذي كان صعبا والذي تجرع مرارته حتى لا تتجرع الأجيال القادمة مرارة الحرب التي لا تعرف نهاية.

ليبيا التي أفرزت السيد، إدريس السنوسي، كمهندس للمصالحة، بما له من سلطة روحية اجتماعية، بعد نهاية حكم الفاشية الأولى، لم تستطع أن تفرز من قلب هذه الفوضى، وبعد نهاية الفاشية الثانية، شخصا أو أشخاصا مثل إدريس أو مانديلا أو سانتوس قادرين على اتخاذ القرارات الصعبة في الزمن الصعب، وفشل الساسة أصحاب الشهادات العليا أمام ما حققته القوة الاجتماعية من ترميم للصدوع التي تظهر كل مرة في بناء هذا المجتمع، وما فعله السيد إدريس السنوسي بعد خروج الطليان أنه اتجه للقوة الاجتماعية كخاصية لهذا المجتمع من أجل خلق أرضية مصالحة اجتماعية لبناء الدولة، وحين تماسكت الدولة تعامل مباشرة مع التكنوقراط ، وحتى من تدرب منهم في الإدارة الإيطالية، لإدارة المرحلة والشروع في بناء الدولة الحديثة التي تديرها الكفاءات من خلال المؤسسة. هذه الروح وهذه الحكمة هو ما احتاجته ليبيا وما تحتاجه الآن ودائماً.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    18.12.2016 الساعة 14:39

    ثلاث شخصيات ليبية وهيئة الأمم المتحدة توقف الحرب (الأمير محمد الحسن الرضا على كرسي العرش. المشير خليفة حفتر على راس المؤسسة العسكرية.السيد محمود جبريل على رأس السلطة التنفيذية تساعده حكومة تكنوقراط.خطة تنمية استراتيجية تضعها الامم المتحدة وقبعات زرق أممية تحمي الحدود _ ) ِ