ركن العامرية.. المال والبنون وأمور أخرى كثيرة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

وبعيدًا جدًا عن التعميم .. وبعد
في مدينة الغزالة المنهوبة وصاحبتها الفاتنة المرجومة بعد فتكها لألباب بعض الرجال، وما هم بذلك، وأخذها بتلابيب أفئدتهم حتى أخذوا منها الوتين، ومنذ أكثر من عشرين سنة معتّقة وبجانب مطعم الكوخ كشّر رجل أربعيني عن جهله وهو أمام دكانته لخطب كبير قد ألمّ به فابنه قد تأخر عليه.."والله غير يجي الملعون وتوه يشوف". كان هذا تهديدا ووعيدا عليهما غبار كثير.

وامتشق الأب سلاحه المكون حينها، لحسن حظ ولده، من عصا مكنسة غليظة.. فقط..! وأخذ في الذهاب والإياب كالمجذوب وما إن ظهر الملعون تلقى على صفحة ظهره الذي لم يتجاوز العاشرة من المحتوم ما يصعب توصيفه. وصاحبتكم تشاهد الحدث وتشهد عليه و قد تيبس منها الأصغران، وخوف الدخول في معركة غير متكافئة الأطراف تمكن منها وهي اليافعة جداً حينها.. وكانت أجبن من أن تحاول.. وخذلت نفسها قبل خذلانها لُب ذلك الصغير كما خذله كل من مرّ به من الرجال الأشداء ولم يبال!. ومرت الأيام وهكذا تربى الإبن وأصبح كأبيه رجلًا ذكرًا جدًا وتزوج.

ومن بين الصلب والترائب وُلد له المولود الذكر فانتشى بإنجازاته كما فعل والده من قبله، واختال بها حتى كاد أن يختل، تمامًا كأبيه.. في جهل تام وتجاهل عن الرحم الذي قدّم قبل وأثناء و بعد ما كان. فالأسطورة الليبية تقول أن الرجل الليبي ولرجولته ليس مؤهلًا لشهد الأمر الجلل.

وتستمر معاناة الإنسان الليبي.. وكل ذلك ونحن كالعادة بعيدون كل البعد عن التعميم.

وتبدأ حياة ذلك المولود الذكر وبرحمة الرحم بعد خالقها يصل لعمر المراهقة الحرج والأبُ لا يلوي على شيء. لم يحدث أن تابع دراسته أو نظر إلى ما تسرّب لعقله من خزعبلات فلا يتفطن إلا بعد أن يُفاجأ بتطرف ما. كل ما هنالك "لما كنت في عمرك.. كنت ندير.. وندير.. وندير.." هكذا بدون مراعاة لظروف الزمان والمكان. ويسمع الإبن لأبيه بدون استماع ويبصر بلا بصيرة. فالكلمات في الغالب هي الكلمات. وهم ليبي مُؤسس على أوهام ليبية خالصة وكم من راحة عظيمة في الوهم.!

يكبر الإبن.. والرحيمة في محراب مطبخها قائمة والأب لا يلوي على شيء. لا يدري عما يدور في تلك الرأس. لا شيء مطلقاً، فالعلاقة بين الأصل والفرع في الغالب (أوتوقراطية) طردية بحتة وطاردة قائمة على تبادل المصالح، فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا. فتكون المصلحة المادية من الإبن دافعة والزينة الاجتماعية من الأب ظاهرة. ولسان حاله " أنت بحاجة لمالي .. إذاً أنتَ ملكً لي" ويرد الإبن "أنا بحاجة لمالك.. إذًا أنا كلي لك" ويستجيب الطرفان لبنود العقد غير المعلن لغياب الشفافية. يحدث ذلك والكل متدثر برداء ثقيل جدًا وشائك من زركشات مزيفة من العادات والتقاليد والأعراف وربما أشياء أخرى.

ويضطر الإبن لمسايرة الواقع البليد فيسيّره رغمًا عنه. كيف لا والسجائر بحاجة لتدخين والسيارة تحتاج لقيادة والسهرات تقتضي الحضور وفتاة الأوهام بانتظار البيت الكبير والعقد الكبير. وكل ذلك سيكون واقعًا بشرط واحد فقط هو الخضوع لكل ما هنالك.. ابتداء من التخصص الذي يرغب الأب أن يدرسه الإبن إلى من سيعشقها قلب ولده الملهوف بطريقة (العشق الليبي المفقود).. كل ذلك يجب أن يُصدَّق عليه و يُختم بختم الجودة الصادر من الوالد صاحب التضحيات الليبية.

ولا ينتهي الأمر هنا.. فحال أن يُولد المولود للإبن فاسمه معه لا محالة لتبدأ دورة التضحيات الليبية من جديد. وتستمر معاناة الإنسان الليبي.. وكل ذلك ونحن كالعادة بعيدون كل البعد عن التعميم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات