أساتذتي في بلاط صاحبة الجلالة

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

رضينا بحتف النفوس رضينا
ولم نرض أن يُعرف الضيم فينا
الشاعر أحمد الشارف

ألح أستاذي في الفصل الخامس الابتدائي أن تكون حكمة العدد هذا البيت الشعري في جريدتي الحائطية "الشروق" التي هي أول جريدة أُصدرها وأُحررها، إبراهيم السحاتي مُدرسي حينها يرى أن الصحفي محامي الناس كافة والحقيقة، أما عند المفكر والروائي الفرنسي ألبير كامو: الصحفي مؤرخ اللحظة، وكنت في الصبا والنشأة الأولى شغفا بالمحامي كما شاهدته في السينما المصرية ومغموسا في التاريخ ما عندي سرد وحكي، لعل ذا النبراس ما قادني إلى بلاط صاحبة الجلالة الصحافة.

من مدرسة الابتدائي حتى الإعدادي رأيت طريق مدرسة صاحبة الجلالة مُطرزا بالتعب

من مدرسة الابتدائي حتى الإعدادي رأيت طريق مدرسة صاحبة الجلالة مُطرزا بالتعب، كانت غواية مهنة التعب تمهد لي الطريق: أبي الأُمي دفعني للحصول على الجرائد الليبية والعربية وقراءتها له وصحبه، جرائد: العلم، والأمة، والبلاد، جرائد الولايات الليبية الثلاث الحكومية، جرائد: الحقيقة، والزمان، والحرية الخاصة، ومن مصر: الأهرام، ومجلة المصور، وروز اليوسف، ومن لبنان: الأنوار، ومجلة الصياد، ...وهلم جرا.

وفي السنة السادسة عشرة من مولدي نشرت "الحقيقة" مقالتي الأولى، في صفحة يُشرف عليها الصحفي والقاص المرحوم السنوسي الهوني، من نشر حينها مجموعته القصصية الأولى والأخيرة: قبل أن تموت، ما طالعتها بإعجاب وشدني أسلوبه، وكنت متيما بأساليب الصادق النيهوم المُبتكرة من ينشر مقالة أسبوعية بالجريدة الممتازة، لكن فرحتي قبرها النظام الفاشي ما حينها أغلق "الحقيقة ".

وفي ذات الوقت تمكن في مدينتي بنغازي السيد المرحوم المهدي المطردي من جلب مطبعة أوفست، وأخذ في إصدار جريدة "الكفاح" قبل أن يأمر الأخ العقيد معمرالقذافي الإسلامي المُتطرف حينها بتغيير اسمها إلى "الجهاد"، في الكفاح يعمل الصحفي المرحوم عبد الفتاح المنصوري صاحب العمود اليومي "كل يوم حكاية" ما كان أيضا برنامجا إذاعيا له، كان صحفيا نشطا يجوب البلاد في أصقاعها البعيدة والأكثر قربا كصحفي استقصائي يصنع الخبر ويستقصي مفاصله، هو بمثابة رئيس التحرير التنفيذي لجريدة "الكفاح" لذا عزمتُ على مقابلته في مكتبه بإذاعة بنغازي بشارع الإذاعة.

الإذاعة التي لي معها تاريخ فقد ترددت عليها طفلا ثم صبيا صحبة خالي محمد فرعاس من عمل بها منذ تأسيسها ثم جلب عمي الجحاوي الفيتوري، وكانت أضحت تضم عاملين كثرا بها من حيي الصابري، هذا ما كسر وجلي وشجعني على مقابلة عبد الفتاح المنصوري بالإذاعة، وقد قابلني بحفاوة حتى خلته صديقا قديما ولذا أصبحنا صديقين، اعتنى بما أكتب ونشر لي دون تردد وتعلمت منه كيف أخطو خطوات أولى في بلاط صاحبة الجلالة.

لكن القذافي كان بالمرصاد للصحافة الليبية التي أممها تقريبا نهاية سنة 1973م، ونهاية العام التالي نقل الصحيفة الوحيدة في مدينة بنغازي إلى طرابلس الغرب. في "الجهاد" المؤممة تعلمت وعملت كصحفي في مثلث بشري شائق: محمد على الشويهدي رئيس التحرير، المرحوم محمد على الحبوني الصحفي الذائع الصيت حينها، المشرف والمراجع اللغوي الفلسطيني المرحوم قاسم حماد من ساهم في خلق معايير الصحافة في البلاد، كانت "الجهاد" قد ضمت تقريبا الصحفيين الليبيين المميزين في المدينة: أنيس السنفاز وعبد الرازق بوخيط وعبد الفتاح المنصوري وفي الرياضة فيصل فخري أمير صحفيي الرياضة، والمرحومين أحمد الرويعي وعثمان زغبية ومنصور صبرة، وطاقما فنيا مميزا ومُصححا صديقا وابن شارعي عبد الوهاب الشكري، وكتابا عدة اشتهر حينها منهم عوض ابريك ورسام كاريكاتير صديقا محمد نجيب والصحفية والشاعرة ليلى السنوسى، وصحفيين عربا عدة كالزميلة السورية فاطمة نداف... وغيرهم.

محمد على الشويهدي فتح لي الأبواب كصحفي في مقتبل العمر، أما لمحمد الحبوني فغدوت الزميل والرفيق، الحبوني عنده الصحافة أن تكون ابن كار فإن أردت أجراء التحقيق حول تهريب المخدرات فاعمل مع المهربين كمهرب وهذا ما فعل حقا، هو كحبوني أصيل صياد طير محترف رافقته في احترافه هذا أيضا، ووجدته في هذا كما الصحفي لا فرق لديه بين الهواية والاحتراف فالأولى الشغف والثاني الجدية: رحم الله أستاذي محمد على الحبوني.

عامرة الصحافة الليبية بالأساتذة وكصحفي لم أعمل في الصحافة الرسمية غدوت في الزنزانة الانفرادية صحفيا

إذا كان المنصوري كل يوم حكاية فإن العجوز قاسم حماد الحكاية تسرد رواية وتختزل قصة تشيكوفية ما عرف بالطلقة التي المفتتح والخاتمة وما بينهما طازج، أخذ يراجع، يدقق، يختصر، ثم يطلب أن أعيد الكتابة، ثم يرمى ما أكتب في الأدراج، ودون أن أفطن أجد ما كتبت منشورا غير مُذيل باسم ولم أعترض مرة، وفي المطبعة يجعلني أجول كما في الجريدة في كل الأقسام، كما أكتب في كل مجال فكتبت التحقيق الصحفي والمقالة التحليلية السياسية وفي النقد الأدبي والفني، أرادني متمرسا من يعتبر أن الحياة ليست منقسمة، وأن الاختصاص يكون متى عرفت الكل فالاختصاص في الأخير جزء ما. قاسم حماد الفلسطيني من قضى عمرا من ثمانية عقود جله في بلاده ليبيا ودفن بها، وجله في الصحافة الليبية والكثير منه في "الحقيقة" مراجعا ومدققا ومحررا لما يكتب الصحفي والكاتب في الصحفية سواء من الكبار أو من كتبوا وغدوا بعد أن مروا عبر يديه كبارا، هو الكبير سنا وإنسانا ومهنة كبرت في ظله.

الاستثناء لقاعدة الجهاد محمد وريث من يكتب قصيدة شعرية يومية في حبه وتنشر كل يوم، وعندئذ أضحي الكاتب والباحث وهجر مهنة التعب، لكن وريث صحفي من طراز رفيع ومراسل صحفي مميز ومغامر، أثره نحت في الصخر عاشه في حروب أريتريا كمراسل ثم في فطاني، رغم سنواته القليلة لكن ما فاح منه له أثر في الصحفي الذي عندها ينشأ فيَّ.

عامرة الصحافة الليبية بالأساتذة وكصحفي لم أعمل في الصحافة الرسمية غدوت في الزنزانة الانفرادية صحفيا، وفي سنوات السجن العشر لم أكف عن أن أكون الصحفي الكاتب والناشر وكان من علموني حينها وقدة الحياة وما زالوا...

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات