أهمية إثبات الديانة في الوثائق الرسمية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

في مقاله الاثنين الماضي (28. 11. 2016) بـ "بوابة الوسط" "رحمة وحموني" ركز القصاص والروائي وكاتب المقالات، الصديق محمد عقيلة العمامي، على العلاقات الإنسانية التي تنبع من الجوهر البشري، مباشرة، متجاوزة حواجز الدين، من خلال علاقة أسرته وهو طفل بأسرة يهودية ليبية جارة. وأورد العمامي أمثلة أخرى على هذا التوجه، واختتم مقاله بالمجتمعات والدول التي تجاوزت، في تعاملها مع مواطنيها واللاجئين إليها فرارا من سلبيات بلدانهم، حواجز الأديان والأعراق والألوان.
*
المقال جعلني أتذكر حالة مهمة في سياق هذا التجاوز.
في السجن كان معنا شخص ألماني مسلم، متزوج من سيدة ليبية، مر على وجوده في ليبيا حينها (1979) حوالي ربع قرن.
قال أنه أعلن إسلامه في ألمانيا منذ أن بلغ السادسة عشرة من عمره، ولم تعترض أسرته!. حينما بلغ التاسعة عشرة ترك ألمانيا وجاء إلى ليبيا. ربما سنة 1948. أي في فترة الإدارة البريطانية. نزل في ميناء بنغازي واتجه إلى سلطات الميناء العسكرية باحثا عن عمل. رحب به المسؤول العسكري البريطاني قائلا بأنهم محتاجون إلى موظف يجيد الإنغليزية والألمانية ليكون وسيطا في التعامل مع الأسرى الألمان الموجودين لديهم.

قال، أعطاني المسؤول طلب العمل المتكون من عدة أوراق مليئة بالأسئلة. في إحدى الصفحات الداخلية، قال الرجل، كان ثمة سؤال عن الديانة. بقيت محتارا، قال، إذا أقررت بأنني مسلم فقد لا أحصل على الوظيفة. وإذا سجلت أنني مسيحي أكون قد خالفت ضميري وخنت معتقدي. قال، فكرت: السؤال في صفحة داخلية، ولا أظن أن الموظف سيقرأ الأسئلة جميعها. سيقرأ المهم منها. لذا تركتها خالية.
قدمت له الأوراق، قال، فلم يقرأ شيئا منها ومضى مباشرة إلى سؤال الديانة!

- لماذا تركتها خالية؟!
سأل الموظف.
قال، فأجبته بأن الدين مسألة شخصية لا أظن أنها تعنيكم!
قال، فدفع إليَّ بالأوراق قائلا بغضب:
- اذكروا دياناتكم. كي نعرف في أية مقبرة ندفنكم إذا متم!

*
من جانب آخر، اشتغل ابني حيان، الذي يدرس الآن بكندا، فترة في أحد "المولات". حيان من النوع الذي يلتزم بشغله ويؤديه بأمانة. قال وصلت العمل مرة متأخرا ثلاث دقائق، وهي المرة الأولى طوال أشهر التي أتأخر فيها. فنبهتني المشرفة محتجة على التأخير. قال، فقلت لها هذه أول مرة أتأخر، ومدة التأخر لم تتجاوز ثلاث دقائق. قال، فردت عليَّ قائلة أن ثلاث دقائق لا يستهان بها. ربما أنت قادم من ثقافة لا تقيم وزنا للوقت!. قال، هم هناك يخشون الاتهام بالعنصرية. فقلت لها: هذه عنصرية. قال فدافعت عن نفسها بأنها ليست عنصرية. فقلت لها إنها مادامت قد أشارت إلى اختلاف الثقافات ولمحت إلى جانب سلبي في ثقافتي فهذا يعني أنها تقصد شيئا: … that means you have a point!

القصد من المثال الأخير، أننا لا نقول بأن مجتمعات الغرب تخلو من المشاعر العصرية والتعامل العنصري إزاء الأديان والأعراق والقوميات الأخرى. لكن الإطار العام للذهنية السائدة في هذه المجتمعات علماني، والدولة علمانية قوانينها تحمي الحقوق والحريات العامة وتجرم التحريض التمييزي العنصري.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات