وقفُ الدين

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

أتصور أن عديدين سيستغربون تركيزنا في ثلاثة مقالات سابقة نشرت هنا، هي: "الكاتب الشاب خليل الحاسي مهدد في حياته 30. 10. 2016"، "معاداة الإسلام ومعاداة السامية 13. 11. 2016"، "من المباهاة بـ"نقص الاضطهاد" إلى المباهاة بشدة الاضطهاد! 20. 11. 2016" وكذلك في هذا المقال الرابع، على واقعة تكفير الكاتب الشاب خليل الحاسي من قبل خطيب أحد مساجد البيضاء، والبيان التوضيحي الذي أصدرته "هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية" الذي أسمته "توضيح بشأن ما تضمنه بيان تحالف القوى الوطنية من افتراء"، المنشور على صفحتها في الفيسبوك، والذي أثبتت فيه واقعة التكفير، من حيث أرادت أن تنفيها عن الخطيب المعني!
فالهيئة لم تكتف بتأكيد التكفير بطريقة التفافية، وإنما تعدت ذلك إلى إعلان نواياها المبيتة في مطاردة الفكر المخالف والمختلف، والمفكرين المخالفين والمختلفين، والشروع في شيء يبدو أنه، لو قيض له أن ينفذ، سوف يتطور إلى محاكم تفتيش، وهي المحاكم التي يفتخر المسلمون أنها لم توجد عبر تاريخهم، على خلاف الأمر في العصور الوسطى المسيحية في أوروبا.

هذا "التوضيح" هو من الخطورة (بالأحرى من الوضوح) بمكانة تستدعي التركيز عليه والتصدي الفكري له من قبل الكتاب والمثقفين الحريصين على مستقبل حرية الفكر والمفكرين في ليبيا.

فالهيئة بإعلانها، صراحة، عزمها على رفع قضية ضد الكاتب المعني وأن لوائحها تنص على أنه يجوز لخطباء المساجد الرد على أي كاتب "يتعدى" على الإسلام، تتجاوز الوظيفة الأصلية لمؤسسة الأحباس والأوقاف المتعلقة بإدارة الأراضي والمباني والمرافق والمنافع التي يوقفها أصحابها لاستغلالها في الأعمال الخيرية، فتعامل الدين كأي عقار أو عين!. إنها تسوره، مثلما، تسور أية قطعة أرض أو مبنى، بجدار متين يحرسه حراس مدججون بالسلاح متحفزون لإطلاق النار على كل من يدنو منه ليزهقوا روحه!. إنها تفرض رؤية واحدة وحيدة للدين بدعوى أنها تمثل الحقيقة كاملة وناجزة وثابتة، سادة أية إمكانية للاختلاف.

الذي يلجأ بدل الرد الفكري إلى التخويف والترويع إنما يفعل ذلك لأنه لا يثق في قدرته على الدفاع عن معتقده عقليا

في هذه الحالة، ماذا نفعل بالتراث الهائل من النقاشات الكلامية والفلسفية في ذات الله وصفاته وفي المعجزات وفي وجوه الإعجاز في القرآن وفي علم الله... إلخ؟!. هل تناول هذه المسائل يعد تعديا على الدين؟! وماذا نفعل في الخلافات الفقهية؟!. وماذا نفعل بالكتابات التاريخية التراثية التي تناولت تاريخ الإسلام ولم تتحرج من تناول سلوك الصحابة وخلافاتهم بداية من واقعة سقيفة بني ساعدة؟ ماذا نفعل بتناولهم لسلوك الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان وأسباب الثورة عليه التي أسفر عنها مقتله؟.

ماذا نفعل بما كتب عن موقعة الجمل الشهيرة بين الجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، والاثنان مبشران بالجنة، إضافة إلى أم المؤمنين زوج الرسول وابنة أول خليفة إسلامي، عائشة، من جانب، وعلي بن ابي طالب، ابن عم الرسول، من جانب آخر؟. وماذا بشأن الصحابة الذين تواجهوا وتناحروا في ما يعرف بالفتنة الكبرى؟. هل تناول هذه الوقائع بالدرس والتحليل والبحث في الدوافع الشخصية والقبلية والمطامح السياسية، مثلا، يعد سبا في الصحابة وانتقاصا من شأنهم يستوجب القتل؟!. هل تناول القضايا المتعلقة بالحضارة الإسلامية في عمومها، ملك خاص مقدس لـ "الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية" الليبية والفئة الدينية الإسلامية التي تمثلها؟!.

الدين عموما، أي دين، وكذلك الفكر، لا يمكن احتكاره أو وقفه من قبل فئة معينة. فباقتحام الدين الحياةَ وسيره في التاريخ وانتشاره في الأرض وانقسامه إلى طوائف ومذاهب وفرق، يكون قد أفلت من الاحتكار وأصبح من حق الجميع أن يخوضوا فيه. ومعيار الحكم على هذا الخوض ليس هو الإيمان والكفر، لأنه في هذه الحالة سيكفر الجميعُ الجميعَ. وإنما المعيار فيه هو وجاهة الرأي وقوة الفكرة وتماشيها مع معطيات الحياة، وإجلاء ذلك لا يتم بالترويع والإرعاب والتهديد بحز الرقاب، وإنما بنقاش مضاد ناقد بمنهجيات الحجاج والحوار، وأخلاقياته. فالظاهرة الدينية، كما يرى محمد أركون* مثلا، "ظاهرة مركبة لا يمكن للقراءة اللاهوتية ولا القراءة التاريخية أن تقاربها بشمولية.

إنها ظاهرة فيها ما هو مقول وما هو مضمر وما هو فوق القول وما يحتاج إلى تأويل وتحليل وتفسير؛ ولذلك اعتمد [أركون] على مجموع المعارف المعاصرة واتخذ منها عدة إجرائية لمعاينة الخطاب الديني"
أكثر من ذلك، أي دين هو جزء من تراث الإنسانية، وبذلك فهو ملكية إنسانية عامة. فليس من حق البوذي أو الهندوسي أو اليهودي أو المسيحي أن ينكر عليَّ تناولي لبعض جوانب هذه الأديان، إذا تناولت جوانب منها، بدعوى أنني أتكلم من خارجها لا من داخلها. وبالمثل، لا يجوز لي أن أنكر على إنسان غير مسلم تناول بعض قضايا ديانتي وحضارتي. المعيار في هذا هو مدى جدية ووجاهة ونزاهة هذا النقاش ومدى قدرتي على الرد عليه على نفس المستوى. وفي هذا السياق قد يحدث أن يرد عليه شخص غير مسلم مصححا آراءه.

إن الذي يلجأ، بدل الرد الفكري، إلى التخويف والترويع إنما يفعل ذلك لأنه لا يثق في قدرته على الدفاع عن معتقده عقليا. الذي يبادر إلى استخدام القوة إنما يبرهن على عدم ثقته في قدراته العقلية.

* آمنة بلعلي. تحليل الخطاب في الثقافة العربية المعاصرة. تثوير للمفهوم أم تسويق للمصطلح؟. فصول. ع 97. خريف 2016

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    27.11.2016 الساعة 14:32

    كلاب النار سطوا على بهجة الدنيا وانس الحياة باشعال الحروب ونشر الارهاب والدمار باسم الدين وديننا الحنيف منهم ومن افعالهم برىء يراه الذئب من دم ابن يعقوب . وسعادين اللظى شوهوا خلقة الله واحتلوا منابر رسول الله فعطلوا عقل الامه وقلبها وجعلوا من ابن عبدالوهاب إماما بديلا لإمام الأمه رسول الله ونبيه محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة والسلام ....( إن كان عندك يازمان بقية...مما تهين به الكرام فهاتها )