ركن العامرية .. ابتسامات متجهّمة

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

لا أدري إن كان بالإمكان تسميتها قصة حب أم لا..! لكنه الحب على طريقتنا الليبية، أو على الأقل كان هذا ما تراءى له و لها. على كل حال ذهبت والدته، وهي صديقتي، لخطبتها لابنها فكانت بشاشة الترحاب ومعسول الكلام: "البنت بنتكم و الولد ولدنا واللي تجيبوه ماشي" وصديقتي طيبة للغاية وحنون، حاولتُ تنبيهها إلا أن فرحتها بكبدها البكر كانت كالشلال الهادر لا يلوي على شيء.

"العيد جاي..المولد فات" وصديقتي منفعلة وببهجة صادقة منهكة من رحلات الذهاب والإياب بين محلات الذهب لشراء (الكبيرة) الكبيرة. ودائمًا ما لمعت عيناها من المهجة العظيمة عند سماعها كلام من قبيل "اللي تجيبوه لكم.. احنا واخذين راجل..المهم الراحة والهنا". وتبسّم قلبي عندما أفاضت ذاكرتي عليه بكلمات المرحومة جدتي لأهل العروس عند ذهابها للخطبة لأحد أحفادها "لو كان تبوا راحة بنتكم عطوها لولدنا"..! وابتسمتُ لصديقتي الطيبة بدون أي تعقيب.

وبزحف الوقت الموعود و اقتراب اليوم المشهود بدأت النبرات في التغيير والمعاني في التبديل. "العروس تحب البدلة الكبيرة.. والبدلة الصغيرة تبي لونها بودري.. الذهب العربي كامل لازم منه وطبعاً التاج ضروري ماهو آخر موضة توة "وعندها كان لابد مما ليس منه بد، فقد طفح كأس صبر صديقتي وانهمر استياؤها وأعربت عن خيبة آمالها وتفجّرت محاجر عينيها وهي الطيبة الحنون، أما أنا فقد استوقفني التاج اللعين..! يا لهذا المجتمع، تلك النفس الأمارة الطواقة بلبس التيجان، ربما هو مسلسل الحريم وسلطانهن الوحيد وابتسمتُ بهدوء.

فكيف لنا وهذا هو الحال أن نستمر بالابتسامات إلا أن تكون ابتسامات متجهمة!

وعندها نظر ابنها و فكر و دبّر، ثم فكر و دبّر ثم ومن ذعره، قرر فلجأ لتأجيل الحب- و هل يؤجل الحب!- وعندما تغطى ما تبقى على الرأس بالبرد، هاجر إلى ما وراء البحر. وهناك رأى ما لا خطر له على قلب وشهد ما لم تشهده عين فلم يملك إلا أن تزوج بجميلة من تلكم الجميلات الشقراوات التي تجاهلت جيبه وخاطبت عقله قبل قلبه وأغدقت عليه حباً وولهاً وروعة وجواز سفر ولا علم لي بم أغدق عليها هو. في الحقيقة يكفي أنه رجل شرقي جدًا، تجري فيه دماء حارة جدًا ومن بلاد ذات جو حار، حار جدًا. وباتت صديقتي الطيبة جدًا حزينة جدًا فكنّتها اليوم رومية لا تجيد إلا طبخ (الشكشوكة)، وحتى الزغرودة، هي لا تجيدها.!

أجاب عندما عاتبته عتاب (خويلة) "قد جنبتني جميلتي الشقراء الكثير من المصروفات ولتبقَ الليبية بانتظار من يغرقها ذهباً وريشاً وجواز سفر" حينها ابتسمت بتجهم رغم تفهمي للأمر تمامًا!. مواضيع ليست بجديدة علينا ولا نهاية لها والمحاولات لتغيير ما وجدنا عليه الآباء شحيحة للغاية، والذي يُقال، يُقال لذر الرماد في العيون والمتوقع المنتظر هو هو لم ولن يتغير إلا إن تسربت الشجاعة إلينا فجرت في العروق وتفجّرت في النفوس.

ثقافة في حاجة إلى تقويم من شديد اعوجاج ومفاهيم يعوزها تغييرعظيم، ومناهج تعليم الأعوز إلى تجديد وطرق تدريس الأحوج إلى تحديث.. والفكر يتوق إلى الحرية.. والأرواح تتطلع للسماء والفتاوى بالمرصاد والخطف في الأرجاء والذبح في كل مكان، وعدد العازبات في تصاعد وأرواح الشباب في صعود مستمر لخالقها رغم رغبته بالزواج والألم متربص بالجميع وفوق كل هذا تصدح حناجرنا صارخة وظالمة أننا شعب الله المحافظ.. ومع كل هذا وذاك نحاول دائمًا تجنب الوجعات باقتلاع الأمل من أديم بلادنا، رغم أنه أديم غير ذي زرع ولا ضرع.

فكيف لنا وهذا هو الحال أن نستمر بالابتسامات إلا أن تكون ابتسامات متجهمة!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات