بورتريه: أساتذتي مع احترامي

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

في البدء..
حالفني الحظ أن يكون أساتذتي منذ البدء مميزين، وهم كما كل شيء تخلق في الصحراء صلبا أثيرا، انبثق من الصعاب فامتاز بالحدة والرقة فالجمال، كما نوار الفيافي ما ينبثق من رذاذ المطر قويا وفواحا يغذي الروح، ومنهم من كان الزميل الرفيق صديق الأيام الأولى من العمر، وبعض لم يكن الدرس الأول منه في علم أو فن فحسب بل وفي الحياة التي عندهم صنو للدرس أو أنها روحه، وفي بلاد كليبيا التعلم والتعليم كما النحت في الصخر تحت شمس القيظ دون بلة في صحراء ماؤها السراب، لكن الحظ حالفني أنهم بهذا ولهذا كانوا أساتذة صبروا عليَّ وصابروا من أجل: أن أكون أو لا أكون تلك هي المسألة، مسألة هاملت الشهيرة.

في ليبيا كما في غيرها مما شابهها أن تكون أستاذا في مسألة ما فأنت أستاذ الحياة في الأول والأخير حيث الأخير المسك، وأن تتعلم وتعلم في الظرف الأصعب هو العلم ما تناقلته الشفاه العطشى ونحت على الصخر كرسوم تيبستي، أبجد هوز الفينيقي ماخر البحار ومصارع موج الترحال، أساتذتي سندباد اليوم الثامن من جعلوني متعلما مثابرا غصبا عن كل الذين صارعوا العلم وقتلوا لقهر العلماء وما كان أحدهم عليَّ بمسيطر.

•في المدرسة الابتدائية
حالفني الحظ بأستاذين أحدهما المدرس وثانيهما ناظر المدرسة، المعلم إبراهيم السحاتي في الفصل الخامس الابتدائي، بحي الصابري حيث ولدت وعشت، بمدرسة هي عبارة عن بيت عربي خال في وسطه من السقف، هذا المعلم علمني أن أكون الصحفي الصغير بأن جعلني أصدر أول صحفية في حياتي وأكون رئيس التحرير، الشروق هو اسم الصحيفة الحائطية التي اشترى لي ورقها وقدم لي علبة ألوان شمع وشاركني في إصدارها، وساعتئذ وهو يعطينا أول دروس الوطنية كان يعمل وزملاء له من أجل تكوين نقابة للمعلمين ما كانت الدولة الوطنية تعارضه ولم تحد عن عيسها ذلكم حتى الساعة، المعلم إبراهيم السحاتي من جعل مني الصحفي الكاتب تمكن أن يكون أول نقيب للمعلمين الليبيين ثم الرئيس لاتحاد المعلمين العرب وإن لم يتمكن وزملاءه أن تكون ثمة نقابة حقا.

أما ناظر المدرسة فتحي الجدي من وجدت صورة له، هو في الجامعة الأمريكية ببيروت في دورة تعليمية لكيفية الإدارة المدرسية رفقة زملاء ليبيين، منشورة بمجلة المعرفة الأمريكية التي تصدر في ليبيا، فتحي الجدي ناظر مدرسة عمر المختار الإعدادية الثانوية بحي الصابري، ثابر على أن نكون أو أن لا نكون، أنا وثلة من أصدقائي كمحمود العرفي وداود الحوتي، بأن ترك الحبل على الغارب في مسألة التعليم، حيث خضنا خضم الثقافة في الفن والآداب وتحت راع مجد معلم لبناني يدعى عيسى التهامي: حرص على اهتمامنا بالمسرح وبالشعر الحديث كشعر عبد الوهاب البياتي وسعيد عقل ونزار القباني وما شابههما ومنا من نسج الشعر على منوالهم، ولم يحرص على المنهج الحكومي ما فيه كنا المجدين ولنا الغلبة.

•في الثقافة العامة
الفضل في ثقافتي لوالدي محمد عبد السلام الفيتوري وصديقه طاهر بن كاطو وصديقي عمران الفيتوري، وأيضا موسى سلامة الفلاح من فلح في جذبي للكتاب دون دراية منه ولكن بأن كان النموذج، هو صاحب دكانة اللحم يجلس كل يوم في انتظار الزبون بين يديه كتاب شاقني معرفة ما يشغله عن مشاغابات الأطفال ابنه سلامة وأصدقائه وأنا أحدهم، ما الذي يجعل المرء في الكون كافة وليس في مكان ما حتى دكانته، سؤالي الطائش أشغل شغفي بالمماثلة، أما أبي الأمي فقد اشترى الحرص على أن أكون بدكانته ساعة قيلولته بأن تركني آخذ القروش منه لأحصل على مجلات الأطفال وكتبهم، وأن أبادلها بغيرها مع عمران المهدي الفيتوري ابن صديقه من يكبرني بسنوات وبحوزته مجلدات من "سندباد" و"سمير" و"نجيب الكيلاني" وهلم جرا، ومن ما يستعيره من المركز الثقافي الليبي والمركز الثقافي المصري، عمران المهدى غدا دكتورا وأستاذا في الطب ومديرا لمركز الدم ورساما غير محترف للرسم الساخر!، أما طاهر بن كاطو من أضحي قاضيا ورئيس محكمة، في لحظاتي الأولي مع الكتاب والثقافة كان صديقا لأبي وطالب حقوق وموظفا بالدولة، أيضا شغوفا بالكاتب المصري عباس العقاد وله زميل شغوف ب "طه حسين" الأعمى الذي منح البصيرة للمبصرين أو كما كان زميل بن كاطو يقدمه.

كان بن كاطو وزميله في دكانة أبي على عراك دائم كل منهما متحزب لكاتبه وأبي منصت ومشجع لعركهما وكذا كنت، طاهر طالب الحقوق من زمرة العقاد وكأنه أرادني أن أكون من ذات الزمرة لذا حفزني بالسفر في السفر الأقوى العقاد وأن آخذ الكتاب بقوة، لكن خذلته وكذا خذلت زميله من يحمل زمامير الأعمى طه حسين، خذلتهما بأن كان كتابي الأول "عودة الروح" رواية توفيق الحكيم من شايعته منذها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات