السلطة وظاهرة التكفير

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

تعليقا على تهم دينية خطيرة وجهها أحد الشيوخ إلى الكاتب خليل الحاسي، سبق أن نشرت مقالة في موقع 218 بعنوان "العقاب الذي يسبق الجريمة" منطلقا من الانقلاب القيمي في مفهوم العدالة الذي رصده كافكا في بعض من رواياته، وحلله فيما بعد الروائي التشيكي ميلان كونديرا، مشيرا إلى أحداث وقعت في مدينته براغ قبل ربيعها وأثناءه وبعده. وسأحاول في هذا السياق إضاءة هذا الاختلال من زاوية أخرى.

عادة ما تتحرى مؤسسات العقاب بدقة متناهية الأدلة القاطعة من أجل أن تحكم بالعقاب المناسب، منطلقة من مبدأ تحوطي يعتبر تبرئة جاني أفضل من تجريم بريء. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الفتاوى أو تهم التفكير التي تلقى جزافاً نوعاً من آلية العقاب السابق للفعل المؤدي إليه، لأنها آلية تعمل بعكس المبدأ السابق، بل إنها تنزل العقاب بمجرد أن تخرج من فم شيخ لا يملك أية صلاحيات للمقاضاة، ولا يملك حتى وسائل التحري، ودون حتى أن يعطي المتهم فرصة للدفاع عن نفسه، وهو يعرف أن ثمة مُنفذا في مكان ما سينبري لتنفيذ الفتوى التي عقوبتها الإعدام حسب منطق الفتوى.

وهي حالة نموذجية لمؤسسات عدالة فاسدة ورثتها السلطات المختلفة، تعاقب قبل اقتراف الفعل الذي يستحق هذا العقاب، بل إنها مؤسسة تحاكم الفعل من ظاهره المتمثل في رأي مخالف وانطلاقا من قراءة النوايا أو الإطلاع على دواخل الأشخاص، وفي حالة تجاوز التكفير للأفراد يؤدي إلى كوارث إنسانية أكبر؛ مثل تكفير المهنة، أو أجسام الدولة، أو الدولة، أو المجتمع برمته. الإيمان مسألة شخصية جدا، وحرية الاعتقاد ضمنتها جل المدونات الحقوقية التي أنتجها الرقي البشري، وضمنتها حتى النصوص المقدسة التي تؤكد جميعها على أن الإيمان، أو عدمه، شأن يتعلق بالخالق وهو من يحاسب عليه، لأنه مرتبط بالنية والقلب والضمير الشخصي.

(الكهنوت) بجميع أنواعه حين يدافع لآخر رمق ضد هذا الفصل هو في الواقع يدافع عن سلطته ونفوذه ومصالحه

غير أن ما يحدث أن رجال الدين في نهاية الأمر يشكلون سلطة، أو منظومة سلطة، لها نفوذها ومصالحها، ويغدو مثل هذا الدفاع عن مرتكزات السلطة شبيها بأية سلطة سياسية تفتك بمعارضيها أو مهددي عرشها، وهو سلوك بشري طبيعي لم يتم تجاوزه إلا عبر العقود الاجتماعية والنصوص الحقوقية التي جاءت مع التحضر والترقي البشري والتي انطلقت من مباديء إنسانية راسخة؛ أهمها حرمة الحياة الإنسانية وحرية الفكر. وقد سحبت هذه المنجزات الدستورية والحقوقية البساط من تحت الأنظمة التي كانت تصفي خصومها لتحافظ على استمرار سلطتها، بعد أن كانت هذه الأنظمة تستخدم نفس آليات السلطة الدينية عبر قاموسها التكفير-سياسي الذي يزخر بالتهم المعاقب عليها بالإعدام ، سواء أكان عن طريق مؤسسة القضاء التابع لها وقانون العقوبات المصاغ من قبلها أو عن طريق الاغتيال والتصفية. تهم غامضة مثل الخيانة أو العمالة أو الزندقة أو الإرجاف تطلقها مؤسسات الإفتاء السياسي التابعة للسلطة كي يعقبها الإقصاء الجسدي للمعني باعتباره يشكل رأيا مخالفا للسلطة القائمة، بل وصل الأمر إلى تجريم النكتة ومعاقبة مروجها بالإعدام.

لا فرق بين المنظومتين أو كما يقول راسل جاكوبي : "هؤلاء الذين خارج السلطة يقدمون نفس برنامج أولئك الذين في السلطة، عدا أنهم يقدمون قوائم مختلفة بالأفراد الذين يجب أن تطلق عليهم النار أو يلقى بهم في السجن". وهو يعني هنا هؤلاء الذين يكرسون سلطتهم الخاصة خارج السلطة السياسية. لكنهم في حقيقة الأمر يشكلون سلطة موازية، وعادة ما تكون متواطئة مع السلطة السياسية، طالما المصالح متبادلة ومقايضة الاعتراف المتبادل ناجزة.

الصراع في جوهره أرضي حتى وإن توسل العقيدة كأداة له، ولأنه أرضي من المفترض أن يخضع هذا الصراع ،وما يتمخض عنه من عنف، لكل ما أنتجه الإنسان فوق الأرض من نصوص حقوقية وقوانين ودساتير تؤكد جميعها على حرمة الحياة الإنسانية وقداستها.

من جانب آخر، فإن محاولة زحزحة منظومة العقل بالدين لا تعادلها إلا محاولة زحزحة المنظومات الإيمانية بالعقل، لأنهما حقلان مختلفان نظريا وجوهرياً، وإن توسل الحقل الإيماني أدوات أرضية لتكريس سلطته. وكان الحل الذي وصلت إليه مجتمعات الثورات الكبرى في الإنجاز العقلي من العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، أو التي تعرض عقلها الجمعي لصدمات معرفية مقلقة، هو فصل الدين عن الدولة، وحمايته عبر إبعاده كحقل روحاني عن المجال العام، وترك الأفراد وشأنهم فيما يتعلق بالإيمان.

ما تولد من عنف عن الدين، أو بالأحرى عن تأويله، لا يشبهه إلا العنف الذي وقعت فيه الكثير من الأيديولوجيات الأرضية التي تحولت إلى عقائد إيمانية عند الكثير من مريديها، ومن ثم تحولت إلى العنف ليزخر قاموس معتنقيها بالاصطلاحات التكفيرية، بل شهدت حتى عمليات انتحارية. وفي ظل هذا الهوس بالسلطة أو بالعقيدة كان العقاب في الغالب يسبق الجريمة، في ظل نظام معرفي يعتبر تعبير الإنسان عن نفسه وقناعاته خارج القطيع الهائج جريمة.

ماحَكَ الكثيرُ من المثقفين والمفكرين، وعلى مر التاريخ، المؤسسة الدينية ، وأدت مماحكتهم أو ما رغبوا فيه من جدل إلى مجازر متلاحقة للكثيرين منهم ، ومن ثم أدرك اللاحقون أن التعاطي العقلي مع نظام شعائري وإيماني مضيعة للوقت وللأرواح، فبدأت عملية فصل هذا التوأم الملتصق ويتوقف نجاح عملية الفصل على الحفاظ على حياة التوأمين، منطلقين من أن قداسة الدين وتعلق الوجدان الجماعي به أمر خارج سيطرة الفكر العقلاني، وكان الحل كما ذكرت هو إعادة الدين إلى المعبد وإلى روحانيته بعيدا عن الصراع السياسي الدنيوي الذي يضر بالاثنين، بالدين وبالسياسة. ويتوقف نجاح عملية الفصل على الحفاظ على حياة التوأمين بشكل منفصل.

وكما أسلفتُ فإن (الكهنوت) بجميع أنواعه حين يدافع لآخر رمق ضد هذا الفصل هو في الواقع يدافع عن سلطته ونفوذه ومصالحه، وسيلقى في المجتمعات اليائسة أو المتأخرة معرفيا وتنمويا قدرة كبيرة على الحشد، متلاعبا بوجدان الناس الذين يحسون أن أفق الحياة أمامهم مغلق، ولا ثمة مخرج أو باب سوى باب الآخرة، أو الجنة، الذي يملك مفاتيحه رجال الدين أو ما يسمى في أديان أخرى الأكليروس الذي له صلاحية منح صك الغفران مثلما له صلاحية العقاب عبر التكفير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : محمد عبدالله حنيش

    27.11.2016 الساعة 07:24

    تحليل دقيق ، بمنهج راقٍ ، لاستنتاج المؤدى .

  • بواسطة : Mailoud Saad

    23.11.2016 الساعة 16:36

    ( وسيلقى الكهنوت في المجتمعات اليائسة او المتأخرة معرفيا وتنمويا. قدرة كبيرة على الحشد ).... في منتصف القرن الرابع الهجري ساد التعصب والذي كان مرده إلى تدني المستوى الثقافي. سيطرة الجهلاء.و أدعياء الدين..نفوذ أساتذة التعصب الحنابلة من ضيقوا دائرة العقل..وتحكم العنصر التركي والفارسي من مقتوا التفكير...المسرح كان بلاد الرافدين والشام. وامتدت تلك الدرامه المفزعه إلى شمال افريقيا على ايدي الفاطميين....فهل ذاك التاريخ المخزي المشين. يعيد الكرة ويلقي بظلامه الحالك هذه الايام