الخريف الأمريكي

عمر الكدي |
عمر الكدي

لم يكن المجتمع الأمريكي يبدو منقسما مثلما هو عليه اليوم بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، ووصل الانقسام والكراهية إلى حد الاعتداء على من صوتوا لترامب في الشوارع، وإلى تهشيم واجهات المحلات وحدوث مصادمات بين المتظاهرين وقوات الشرطة، مما ينذر بتمزيق النسيج الاجتماعي لأمريكا وهو نسيج فسيفسائي، ورغم تصريحات ترامب العنترية إلا أنه سيفشل في تحقيق وعوده الانتخابية إذا تصاعدت الاحتجاجات، لأنه عمليا سيكون نصف رئيس أو أن أكثر من نصف الشعب لا يعترف به رئيسا لأقوى دولة في العالم.

وضع أنصار هيلاري كلينتون أرجلهم في ماء بارد عندما أكدت الاستطلاعات فوز مرشحتهم، وخاصة بعد نجاحها في المناظرات الثلاث، وهو ما جعلهم يتقاعسون عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع، بينما عبأ أنصار ترامب أنفسهم وهم يائسون من فوز مرشحهم، فتدفقوا على مراكز الاقتراع بأعداد كبيرة، بالإضافة إلى أن الشرائح الاجتماعية التي راهنت عليها كلينتون مثل الأفارقة واللاتينيين عادة لا يقترعون بأعداد كبيرة.

ثمة اختلاف كبير بين الولايات الأمريكية الساحلية وولايات حزام الإنجيل، لوحظ بقوة بعد إعادة انتخاب جورج بوش الإبن للولاية الثانية، وعندها هددت ولايات الساحل الغربي والشرقي بالانفصال عن الولايات المتحدة والانضمام إلى كندا، ويتمحور الخلاف حول الحريات العامة والقيم الديمقراطية التي تتمتع بها هذه الولايات، بالإضافة إلى تفوقها في الإنتاج الصناعي والتكنولوجي، بينما تعتمد ولايات حزام الإنجيل وولايات الجنوب، مثل تكساس، على إنتاج النفط والزراعة وتربية الحيوانات، لذلك ظلت القيم الأمريكية كما وضعها الآباء المؤسسون من الأوروبيين البروتستانت البيض ثابتة في هذه الولايات، وكان جورج بوش خير مثال على هذه القيم، بينما تطورت هذه القيم في الولايات الصناعية لتصبح قيما كونية، مع تغير عميق في البنية السكانية بتدفيق مزيد من المهاجرين من كل أنحاء العالم.

الأزمة الليبية ليست من أولويات ترامب خاصة بعد ما اقتربت قوات البنيان المرصوص من القضاء على تنظيم داعش في سرت

انتخاب باراك أوباما مثل انتصارا لقيم الولايات الصناعية وهزيمة لقيم الواسب التقليدية، خاصة وأن أوباما جاء بعد جورج بوش الإبن ومن حوله من المسيحيين الصهيونيين، الذين استفزهم فوز أوباما بأصوله الأفريقية وجذوره الإسلامية، خاصة بعد أن خشوا بشدة من فوز أول سيدة برئاسة أمريكا، لذلك استنجدوا بكل السبل لإعاقتها بما في ذلك قضية بريدها الالكتروني والتسريبات الأخرى وانتهاء بالاستنجاد بمكتب التحقيقات الفيدرالي، ووجدوا في دونالد ترامب أفضل مرشح لهم، فهو معاد للنساء وللأفارقة واللاتينيين والمسلمين ومساند بقوة لإسرائيل.

سيزداد المجتمع الأمريكي انقساما إذا قرر أنصار ترامب الخروج إلى الشوارع والاشتباك مع الرافضين لنتائج الانتخابات، وعندها لن تستطيع الشرطة وقوات الأمن السيطرة على الموقف، وقد يضطر ترامب فور دخوله إلى البيت الأبيض للاستعانة بالحرس الوطني، وقد يضطر إلى إعلان حالة الطواريء بعد سيطرة الحزب الجمهوري على مجلس النواب والشيوخ، مما سيحول الصراع إلى صراع مسلح في بلد ينتشر فيه السلاح على نطاق واسع، وقد تؤدي التطورات إلى مطالبة ولايات الساحل الغربي والشرقي بالانفصال عن الولايات المتحدة، وعندها ستفقد أمريكا وزنها الاستراتيجي والجزء الأعظم من دخلها القومي الذي تجاوز 18 تريليون دولار، وقد تضطر القوات المسلحة للضغط على ترامب للتنحي لتنقذ وحدة البلاد ومصالحها العليا، وإعادة الانتخابات بين ترامب وكلينتون أو ترامب وبيرني ساندرز.

لن يستطيع ترامب إعادة الشركات الأمريكية التي نقلت مصانعها خارج الولايات المتحدة، بحثا عن يد عاملة أرخص ومواد خام أرخص وضرائب أقل، لأنه سيزيد من الضرائب على هذه الشركات ومعظمها من الساحلين الغربي والشرقي، وستستخدم نفوذها لتشكيل جماعات ضغط مناهضة لترامب، ولهذا سيعتمد على الشركات المصنعة للأسلحة التي تحتاج إلى مزيد من الحروب في العالم لبيع منتجاتها، وقد تكون إيران أول ساحة للمواجهة العسكرية بتدمير كل بنيتها النووية، وستجد دول الخليج نفسها بين مطرقة أمريكا وسندان إيران، مما يجبرها على البحث عن حلفاء آخرين.

فوز ترامب يعني العودة إلى القوموية الشعبوية في غير آوانها، وكأنه غراب أبيض يعترض سيادة القيم الليبرالية، مما ينذر بتفكك أمريكا وتفكك حلف الناتو، وسيجد الأوروبيون أنفسهم دون درع عسكري يحمي اتحادهم، وفي هذه الحالة من الممكن أن يصعد اليمين الأوروبي إلى السلطة، مستغلا نفس الشعارات التي أوصلت ترامب إلى السلطة، وهي المهاجرون والإسلام فوبيا، وقد يخرج المزيد من دول القارة العجوز من الاتحاد الأوروبي على غرار بريطانيا، وإذا صمدت المانيا وفرنسا فعليها بناء منظومة عسكرية تكفي لحمايتها من طموحات الدب الروسي في غياب الغراب الأمريكي الأبيض.

الأزمة الليبية ليست من أولويات ترامب خاصة بعد ما اقتربت قوات البنيان المرصوص من القضاء على تنظيم داعش في سرت، وستكون أولوياته في السياسة الخارجية إيجاد حل للأزمة السورية بالتنسيق مع روسيا، حتى ولو بقي الأسد في السلطة فهو يرى أنه من الخطأ إسقاط صدام حسين والقذافي، وإذا تدخل في الأزمة الليبية سيكون ذلك بالتنسيق مع مصر وهو ما سيرفع من أسهم المشير حفتر، ويخفض من أسهم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وأي تدخل لترامب في ليبيا سيحتاج فيه إلى ثمن فهل تستطيع بلاد منهكة وممزقة دفع هذا الثمن؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات