سيولةُ الكذب

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

[طوبى لمن أمكنهم عبور النهر
طوبى للحالمين
طوبى للخائفين، والمشكِّـكين، واليائسين
طوبى لمن يقولون: لو يمكن أن
طوبى لمن لم يكونوا حتى شهوداً
وطوبى، طوبى وطوبى، لمن لا يملكون البوصلة ليعرفوا:
على أيِّ ضفتَيّ النهر ستُـكتَـب لهم النجاة؟
وعلى أيّهما ستكون مقابرهم؟
وقبل كل أحد، قبل كل أحد،
طوبى للذين لا يعرفون السباحة
وماتوا غرقا.
- شعر نزيه أبوعفش ..........5/11/2016]

1-
الربيع العربي مثلما كرة الثلج ومثلما الحدث الأكبر، ومثلما الزلزال ما توابعه أكبر منه وأعظم، وكما الزلزال يهدم ويقلب ويجعل سافلها أعلاها، ويتعين حيثما ضرب في شكل خاص يبدو وكأنما الفرع ليس من أصل له، هذه حقائق تفرضها طبيعة ما حدث، ولكنها تختفي وراء التفاصيل الجارفة كما السيل يجرفنا بعيدا عن المصب، هذه البديهة تسطع كما شمس في وجه أهل الكهف. أما عن أهل الكهف فحدث فهم فاقوا من نوم الدهر على حدث جلل وإن شاركوا فيه فكأنهم لم يفيقوا من النوم إلا على صرخةٍ أذهلتهم.

العالم منذ سنوات، هذا الحدث منذ سنوات ست، في ذهول حتى السيلان وعندها يذهب العقل، اللامعقول هو السيد فما كان معقولا تبين أنه سفه، وما يمكن أن يعقل لم يطلع بعد، في خضم هذا تمخض الحال عن فاجعة بها بهت الذين كفروا والذين آمنوا أيضا، فمثلا داعش لا تذبح من على رقبته السكين فحسب بل وحامل السكين أيضا، فداعش مبيد لأي تيار يلبس مسوح الدين أو العصبية: ترامب البغدادي الذي يتسيد الحين ما يصوغ المرحلة بسيولة الكذب.

على رأس قائمة الكذب تبرير ما يحدث بما حدث على رأس القائمة إفلاس غير معلن لدول وبنوك ورجال أعمال

الكذب أهم حدث يحدث ويطلع في هذه اللحظة الاستثنائية كما الأكسجين الضرورة القصوى، وكل كذبة تستدعى كذبة مضادة، وكل كذبة تريد أن تموه نفسها فهي الصدق، وكل كذوب بطل الحال من لا مثيل له، في هكذا حال ستكون الرياضيات المجردة من الكذب، والأرقام وسيلة الرياضيات، هي الوسيلة المطلقة والطليقة، سيدة المرحلة المجهولة الهوية مثلما الطائرات طير أبابيل العصر التي تأتي من السماء وتعود الى السماء كأنما مالكها الرب.

2-
الكذب السيد في سيولة وكذلك السيولة كذب فأينما تنظر وتسمع الكذب، ما من لزوم ما يلزم: لأن ليس ثمة من عاقل في الظرف اللامعقول، الحال مفتوح على كل الاحتمالات، ومنها أن الخبز مفقود في الساعة والوضع الاقتصادي مضطرب، الهجرات تجتاز البحار والمحيطات، الأسوار تنهض في وجه المهاجرين، وتحفر الخنادق هذا وقت يجوج وما جوج، وما في حكم ذلك.
كل شيء أثير فبعد أن انهارت حصون الدول ما قبل الربيع العربي، ها حصون البنوك تُدك وها البترول يصير ماء، وها الأرقام طلاسم وقناع الكذب، ها الأحاجي والألغاز تطلق كل حين في منتدى دولي يُعقد كل حين في كل مكان، ها المعلومات تتدفق حتى تُغرق كل عقل، العقل ما لم يعد له مأوى.

3-
على رأس قائمة الكذب تبرير ما يحدث بما حدث، على رأس القائمة إفلاس غير معلن لدول وبنوك ورجال أعمال، على رأس قائمة الكذب أن الجميع لصوص واللص يختفي في مسوح الكذب هذا، على رأس الكذب أننا نحن نسرق أنفسنا ونقتلها أيضا وأننا القتيل والقاتل، ليس من متهم في جريمة مرتكبها نحن.

4-
علينا أن نندب حظنا العاثر أننا ولدنا في زماننا وفي مكاننا وقت سيولة الكذب.
فيا حادي الطائرات المجهولة والطائرات دون طيار عرج علَ منك الدواء وعلَ منك الداء، عرج أيها الكذوب ما أصدقك من طير أبابيل ترمي الفيلة بحجار من سجيل، عرج ...
اللسان يلهج بالحال الكلوم، ونحن الثكالى في زمان نحن من صنعناه بأيادينا، نحن الصارع والمصروع، نحن حادي العيس، والعيس أيضا فكأنما القيامة الآن ولسنا بواعين ...

5–
أهل الكهف كنا وأصبحنا وأمسينا ألا لعنة الله على الجاحدين.
بذا بهت العالمين بنا نحن الملاعين من هم في غيهم يعمهون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mailoud Saad

    9.11.2016 الساعة 14:10

    العيس وحاديها اتحفنا بها المطرب السوري صباح فخري (وقصة شعره المميزة ) سبعينات القرن الماضي فانتشينا وانتشلنا من كآبة. اغرقتنا فيهاسنين الطاغية انذاك... فهل يتحفنا سيد البيت الابيض الجديد (صاحب قصة الشعرالمميره) ترامب. بطائرات العم سام ويكون حادبها لعلها تعرج على مرابع سوق الحوت.الصابري .قنفوده والمليحه درنه... (وا ترمباه ) عرج كما عرج علينا أبناء العم سام خمسينات القرن الماضي واستخرجوا لنا الذهب الاسود من باطن بحر الرمال الليبي فانتشلونا من الفقر المدقع