خطوتان نحو لمة الخوت

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

لا يهاب الرجال الموت من أجل قناعاتهم، سواء اتفقنا مع هذه القناعات أم لم نتفق، فالاقتناع بفكرة ما أو عدمها هي مسألة شخصية لا يحق لأحد أن يعللها، أو يلوم صاحبها أو ينظر إليها بغير عيون صاحب هذه القناعة. ولكن عندما تكون هذه القناعة من أجل إيقاف الدم والقتل والتنكيل وضياع الوطن ينبغي أن ينظر إليها على أنها عمل بطولي خارق وإن اختلفنا مع قناعاته.

سنة 1977 طار المرحوم أنور السادات إلى إسرائيل ومد يده مصافحا عدوه. كان دافعه أنها حالة الحرب والتربص والاستنفار التي استمرت حوالي ثمانين عاما، فقدت مصر فيها آلافا من أبنائها، ودُمرت العديد من مدنها، واستنزف اقتصادها. صحيح أن العالم العربي وقف مع مصر وقت محنتها، ولكنها وقفة المانح للمحتاج. وقاطع العالم العربي مصر، ونقلت الجامعة العربية من عاصمتها، ثم دفع السادات حياته نتيجة لقناعاته. وسواء اختلفنا معه أو أيدناه فتلك مسألة أخرى. البسطاء، وأنا منهم، أحسسنا أنه قام بهذه الخطوة الجريئة من أجلنا، من أجل البسطاء القابعين في أكواخهم ومنازلهم يتوقعون صاروخا عشوائيا يدك مخابئهم ويقتلهم ويقتل أطفالهم، أو على الأقل يشردهم مبتوري الأطراف.

شكرا لرمز الوفاق وشكرا لأحرار مصراته

كانت هذه مقدمة لمقالة كنت أريد من وراءها أن يخرج السيد السراج إلى الناس باعتبار أنهم يرونه رمزا لتوافق محتمل، ويتبرأ مما دس البيان المشبوه الذي تطاول على المشير خليفه حفتر، خصوصا وأن البيان صدر بعد مغادرته. وقلت إن كل الذين يخشون على ليبيا من التقسيم والتشرذم، أو (صوملتها) على أقل تقدير، نهضوا يحاولون لملمة الأمر ومعالجته قبل أن يتفاقم. واتصل بي عديدون يتشاورون كيف تعالج الحالة. أعترف أنني حرتُ كثيرا فأنا دائما أتطلع إلى أن أكون جزءا من الحل في ليبيا وليس جزءا من المشكلة، وفسرت مرارا وتكرارا أن ليبيا إما أن تقوم جسما واحدا، أو لن تقم مطلقا.

وابتهجنا كثيرا ببيان الدكتور فتحي المجبري، وقلنا إنه خطوة على الطريق الصحيح، وأن السيد السراج رمز التوافق لابد وأن يكون له راي أقوى باعتبار أن ما حدث قد ينهي مشروعه الذي بُذل فيه جهد كبير ومن الخسارة أن يتركه ينهار أمام عينيه وأكدنا أن بيانا فقط لن يُهون الأمر، ولكن خروجه وتوضيح الأمر سوف يكون له الأثر الأكبر.

وخرج السيد السراج موضحا أمورا كثيرة تتعلق بالوطن والمواطنين وتبرأ من البيان المشبوه. وانزاحت غمة أقلقت من يريدون الخير إلى ليبيا. وتوافق ذلك مع ورود خبر مفاده أن جرافتي صيد سمك محملتين بالذخيرة والعتاد كانتا جاهزتين للإبحار إلى بنغازي فجرها ثوار حقيقيون في ميناء مصراته. وكان سلاح الجو الليبي قد فجر اثنتين من قبل حوالي شهر.

مقابلة السيد فائز السراج مع الإعلامي الكبير حسن الهوني في قناة ليبيا الرسمية، وخبر تفجير ثوار مصراته لجرافتي الموت المزمع إبحارهما إلى الشرق، أعادتا الأمل لليبيين بأن وطنهم لن يتقسم وأنه كيان واحد. فماذا تملك أرملة المواطن البسيط، الذي باغته ملاك الموت أمام مصرف ليبيا وهو ينتظر دوره ليقبض مرتبه ويعود برغيف خبز وعلبتي حليب لأطفاله؟ ماذا تملك سوى مباركة خطى من يريدون لليبيا الخير، والابتهال إلى الله أن ينتقم انتقاما لا رحمة فيه من كل من زرع فتنة ولو بكلمة واحدة، أو حتى تمنى لها الدمار. شكرا لرمز الوفاق وشكرا لأحرار مصراته. والمجد والخلود لمن يريدون لبلادنا الخير والأمن والحرية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات