ركن العامرية.. سنوات بالبو الست في ليبيا

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

هناك دول اُستعمرت أو خضعت للحماية والإدارة الأجنبية وفي كثير منها أنشأ المستعمر المدن الحديثة في الدولة، فمثلًا أحضرت فرنسا كبار المهندسين الفرنسيين للمغرب فخططوا المدن الرئيسية فيها كالرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش... ثم.. خرج المستعمر و بقيت المدن الشبيهة بباريس فرنسا.. حافظ المغاربة على ما ورثوه من مستعمرهم، بل و طوروه.. حافظوا على نسق المباني وألوانها وتخطيط الطرق وصانوا سكك الحديد والحدائق والزهور والطيور وحتى السماء والبحر.

هذا ما يقوله التاريخ الحديث ويصدقه العقل. ولأننا نؤمن بأن قارئ التاريخ يقوم بذلك من باب الاعتبار ولمحاولة سبر وتفسير واقعنا، الشيء الذي من شأنه المساهمة في تغيير واقع مشوه لجلب مستقبل منشود، كما لا يعنينا في شيء من يقرأ التاريخ لحفظه وتقديسه وترديده والغرق في أوهام ذاته وتجاوز أوهانها لمعايشة مهانة الواقع، فمن هنا كان التفكّر الموجوع في ما كان ممكناً أن يكون قائمًا في بلادنا خلال الست سنوات الماضية فيما لو كان هناك ساسة يفهمون السياسة أكثر قليلًا من حرصهم على الكراسي، منبع المأسي.

أقول، والفؤاد مبحوح والروح تحوم، أن كل شيء في بلادي بات مختلفًا، رغم أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان والإنسان يستحق الحياة، إلا أنني لا أدري لم يخالجني شعور أن أولاد بلادي يعشقون دائمًا الرحيل خلف الشمس بدل من صوبها.

كان مما قرأتُ مؤخرًا أنه في عام 1934م و حتى مصرعه بطبرق عام 1940م تقلّد الجنرال الايطالي بالبو الحكم في بلادي لست سنوات، فماذا وجد أمامه..!

وجد أناسًا معظمهم في طريقهم خلف الشمس فقد أرهقتهم مذلة الحرب والجوع والفقر والفاقة والمرض والجهل ولاشيء آخر تقريبًا، وفي خلال ست سنوات فقط لا غير، والتي هي عمر الأحداث الأخيرة في بلادنا، كان الآتي*:
• توحيد طرابلس و برقة في حكومة واحدة، لا أربع حكومات، مقرها طرابلس.
• الاهتمام بالتطور العمراني فاستقدم السياسيين والمعماريين والمثقفين وتم تأسيس بنية تحتية قوية برصف أربعة آلاف كيلومتر من الطرق، منها الطريق الساحلي، وإنشاء مئات الكيلومترات من السكك الحديدية. ولا أرغب بالبوح لِمَ لم أرَ أثرًا لسكة حديد واحدة في بلادي رغم اجتيازي لشارع السكة بطرابلس طوال حياتي المدرسية، فالدهشة كادت أن تفتك بعقلي البسيط الذي لطالما تساءل لم سُميت طريق السكة بهذا الإسم رغم اختفاء كل السكك الحديد في بلادي..!
• تشييد قصر الخلد بطرابلس وإنشأ هيئة للسياحة والفنادق، فأُقيمت الفنادق ومن أهمها فندق الودان وغيره.
• الاهتمام بالآثار والتنقيب واستجلاب الخبراء فتم تحويل السرايا الحمراء إلى متحف ليبي وإعداد مسرح صبراته لعرض مسرحيات كلاسيكية تقدمها فرق إيطالية.
• إدخال تعديلات كبيرة على معرض طرابلس الدولي وتوسيع شارع عمر المختار بطرابلس وإقامة العمارات الضخمة الجميلة فيه.
• الاهتمام بالخدمات الصحية فكانت محاولات حثيثة للقضاء على أمراض السل الرئوي و مرض العيون (التراكوما) التي فتكت بأعداد كبيرة من أجدادنا.
• إصلاح (لا هدم) أضرحة الأولياء والمساجد و الزوايا والمدارس الدينية وبناء المدرسة الإسلامية العليا بطرابلس وإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين سياسيًّا.
• زيادة القروض الزراعية و إنقاذ الثروة الحيوانية بطرابلس بترحيل ثلاثمئة ألف رأس غنم للرعي في برقة إثر جفاف حاد ضرب نواحي طرابلس.
• تأسيس جمعية الليتوريو العربية التي فتحت الطريق للشباب والأطفال الليبيين لمزاولة الرياضة والاستمتاع بالرحلات الترفيهية.

أما الاقتباس التالي فمتروك للقراء يستنتجون منه ما يمكن استنتاجه: "و في الوقت الذي كان فيه بالبو يحاور الأعيان ورجال الدين حول الزمزامات و جهاز العروس وصدقة الميت وحلق الرؤوس كانت الشركات الإيطالية والمقاولون وعشرة آلاف عامل إيطالي و خمسة وعشرين ألف عامل ليبي يعملون ليل نهار لإصلاح الأراضي وبناء القرى الجديدة التي ستستقبل المعمرين"!

ووصل العشرون ألف إيطالي لاستيطان ست وعشرين قرية زراعية مجهزة بكل ما يلزم، إلا أنهم غادروا كل شيء فقط بعد ثلاثة أعوام و تَرَكُوا تلك المدن الزراعية بكل ما فيها.
والسؤال هو: ماذا حل بتلك المزارع بعد ترك أبناء المستعمر لها.. والأهم، ماذا حلّ بكل شيء في بلادي.. ماذا حلّ بها بعد تلكم الأعوام الست قديمًا و حديثًا..؟

*مقالة للدكتور وهبي البوري بعنوان "كانوا يخططون لمحو الليبيين من وطنهم: أيام بالبو في ليبيا"

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Ameen

    24.10.2016 الساعة 14:03

    يبدو أن فدوي ولدت في الست سنوات السابقة التي تتحدث عنها....أين أنت في الــ42 سنة التي قبلها هل تساءلت عما كيف ستكون ليبيا لو وجدت بالبو الذي خطط وبنى ليبيا في ست سنوات؟