ثورة الجياع هذه المرة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

لماذا لا ننتفض في ليبيا، مثلما حدث في 2011، مع أن كل المبررات التي دعتنا للثورة الشعبية في ذلك الوقت مازالت قائمة، أو بالأحرى المبررات الآن أكثر حدة مما كانت عليه في 17 فبراير 2011.
هل ننتظر حتى تقوم انتفاضات في دول الجوار لنلحق بها؟ هل تحقق أي هدف لكي ننتظر ونتحمل هذه المعاناة وهذا اللعب بمصيرنا؟ إذا كنا نعتبر أن مجرد وجود سلطات؛ جاءت عن طريق صناديق الاقتراع والدستور والأحزاب، يعفيها من التمرد عليها، أو نعتبرها نقلة تكفينا وتجعلنا نصبر على ضيق العيش وضيق الحريات، فكلنا يعرف أن الدول التي بدأ فيها ما سمي بالربيع العربي كان يوجد بها انتخابات وصناديق اقتراع وأحزاب ودساتير.

التشبث بالسلطة، القمع، الفساد المالي والإداري، تفكيك مؤسسات الدولة، التضييق على الحريات، إهدار المال العام. كل هذه المظاهر وغيرها جعلت من النظام السابق أحد النظم العربية المرشحة لهبوب رياح ما سمي بالربيع العربي، ورغم ثقة النظام في قوته وفي ضعف البنية الاجتماعية والسياسية للشارع الليبي الذي عولجت ظواهر احتقانه مرارا بالمسكنات، ورغم ثقة النظام في مخزونه من المال الكافي لرشوة الشعب إذا ما خرجت طلائعه للميادين، إلا أن الانتفاضة الكبرى في ليبيا انطلقت بعد شهرين من بدايتها في تونس، وهذه المرة فشلت كل التكتيكات السابقة في إعادة طلائع المتظاهرين إلى بيوتهم.

وسبب هذا الفشل هو سقوط حاكمَين في غرب وشرق ليبيا ، وفعل الميديا العالمية في النقل المباشر لهذا الحراك الذي تحول عرضه إلى نوع من الفيكشن (السرد التخييلي) الذي اختلطت فيه الواقعة بما يشبه الخيال، والذي تعاملت وسائل التقنية الإعلامية الحديثة مع مجازاته وأساطيره بشكل محترف، وتحول ما يحدث في ليبيا إلى عرض جمالي شامل حتى ودماء الليبيين تسيل في الجبهات.
في النهاية خرج المارد من قمقمه، وتدفقت قوى العالم الإعلامية والاستحباراتية والعسكرية لمساعدته، ولم يرجع إلى أن قُبض على الدكتاتور، ورُسمت له تلك النهاية التي لم تخطر على بال مؤلفي النهايات التراجيدية للطغاة.

ألا يستحق كل هذا خروج عارم إلى الميادين ليس من أجل الديمقراطية والدولة المدنية هذه المرة ولكن نزولا عند عجب أبي ذر الغفاري ممن لا يملك قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه

وكان الجميع على يقين أن نهاية القذافي تعني نهاية كل تلك الأسباب التي جعلته عرضة لغضب الربيع العربي المفاجئ في المنطقة. لقد تم ربط كل تلك المعاناة بشخص القذافي، وتم إخفاء جثة القذافي بعد فترة قصيرة من إخفاء جثة أسامة بن لادن، وفي الحالتين كان ثمة خوف سري من أن يتحول القبر إلى نصب أو مزار أو رمز؟ فما سر هذا الخوف فيما يخص قبر القذافي إذا ما تجاوزنا بن لادن كون له مريدون في جميع أنحاء العالم قادرون على تحويل مكان دفنه إلى رمز.

هل راود أولئك الذي أخفوا جثة القذافي خاطر بأنه قد يتحول يوما إلى رمز؟ أو قد يراود الكثير من الليبيين حنين إلى حكمه القاسي بعد أن يجربوا واقعا أكثر قساوة منه؟ وهل كانوا يخططون لهذه القسوة حين أخفوا عمدا جثته أو قبره إن كان له قبر؟. ألم يسهم غياب الجثة والقبر في ترويج الكثير من الخرافات التي تدور الآن عن كون القذافي مازال حيا وأن من قتل في مصراتة قد شبه لهم؟ وفي النهاية أدى الخوف من فكرة الرمز إلى شيوع الأسطورة، وهذا ما يحدث مرارا حين يكون هناك موت دون جثة أو مدفن.

لكن في الواقع ما أسهم في هذه الأسطورة هو المآل الذي حمل إليه البديل البائس ليبيا ما بعد القذافي، وكأن من أخفوا جثته يوما ما يدركون هذا المآل ويرون في رؤاهم أن ثمة حنينا سيعود إلى هذا الدكتاتور الذي عبث بالبلاد لمدة أربعة عقود. غير أنه وسط هذا العبث كان أفضل من البديل في كثير من المناحي: فهو قد حافظ على سيادة ليبيا، وعلى وحدتها، كما أنه تحاشى طيلة حكمه، ورغم كل ما فعله، اللعب برغيف الخبز أو بتوفر السيولة في البنوك التي هي في الواقع تعني رغيف الخبز، وهو رغم جبروته كان دائما يخاف من الاحتقان ومن الجموع.

البديل لم تهمه حتى هذه التفاصيل، وكأنه يدرك أن شحنة الحراك لدى الليبيين انتهت، أو أنه يدرك أن ميليشياته الخارجة عن القانون، وعن الشرعية المحلية والدولية، كافية لأن تفتك بكل حراك في بدايته دون خوف من الإدانة من قبل العالم أو من العقاب، لأنها مازالت في منطقة الأسطورة، ومازالت تحت لافتة حماية الثورة، وأن كل حراك شعبي جديد سيعتبر محاولةً للانقلاب على ثورة فبراير، وأن حتى محاولة تأسيس جيش ليحمي نفسه ويحمي الشعب هي انقلاب على الثورة.

لم تمر ليبيا طيلة تاريخها بظروف صعبة تهيئ لثورة شاملة مثلما تمر بها الآن وفي هذه السنوات الأخيرة، ولم يمر هذا الشعب بقدر من الامتهان بعد معتقلات الفاشية مثلما يمر به الآن، فلماذا لا ينتفض مرة أخرى؟ ويهتف من جديد : الشعب يريد إسقاط النظام؟ حتى وإن كان هذا النظام أو اللانظام الجديد يتغني بالديمقراطية والشرعية مثلما تغنى بها النظام السابق لأربعة عقود.

الآن حرية التعبير أضيق، والخوف منتشر في كل شارع وكل زقاق، الاغتيالات والخطف لا تتوقف، سرقة المال العام أصبحت بالمليارات بعد أن كانت بالملايين، العتمة مطبقة في كل مكان، والشعب الذي انتخب سلطاته الجديدة قابع في طوابير طويلة من أجل الحصول على قوت يومه، والجميع تحولوا إلى متسولين بسبب انعدام السيولة في جيوبهم، بينما البعض الذي سرق الحلم يتنقلون بين الفنادق الفارهة ويضخمون حساباتهم في أوروبا.
ألا يستحق كل هذا خروج عارم إلى الميادين ، ليس من أجل الديمقراطية والدولة المدنية هذه المرة، ولكن نزولا عند عجب أبي ذر الغفاري ممن لا يملك قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه ؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات