تأسيس آيديولوجيا الاستبداد

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

الحكم الاستبدادي والحكام المستبدون ظاهرة قديمة بقدم نشوء ظاهرة الدولة، وهذه الظاهرة تعتمد على الميول التسلطية والتحكمية لدى البشر، أو على الأقل، لدى نسبة كبيرة منهم.

يعرف عبد الرحمن الكواكبي الاستبداد (والمقصود دوما هو الاستبداد السياسي) بأنه: "التصرف في الشئون المشتركة بحكم الهوى"(1: 12)* أي أن الحاكم المستبد يتخذ قراراته في شأن الشعب والدولة بمقتضى مزاجه الخاص.

وثمة من يفرق بين الاستبداد والطغيان بحسبان الأول تفردا في الرأي دون قهر والثاني ممارسة الحاكم القهر على المحكومين. ولا يبدو لنا هذا التفريق ذا قيمة لا من الناحية النظرية ولا من الناحية العملية. فمن الناحية النظرية ينفتح الاستبداد على القهر ويتداخل معه باعتبارهما نابعين من الانفراد بالسلطة والسيطرة على مقاليدها. أما من الناحية العملية فكل إنفاذ للرأي الخاص من قبل الحاكم الفرد في الشؤون العامة يتضمن انفتاحا على القهر ويستدعيه، لأن الحاكم سيقهر الناس على قبول قراراته والتصرف بمقتضاها، رغم عدم قبولهم لها.

على الصعيد الفلسفي يعتبر أفلاطون المؤسس الأول لآيديولوجيا الاستبداد(2: 24). وبغض النظر عن الظروف التاريخية والنفسية التي أسهمت إلى حد كبير في موقف أفلاطون الفكري(2: 25-27)،(4: 7-30) ، نجد أن جمهوريته التي ينشدها هي بمثابة معسكر عالي الانضباط والتنظيم ينقسم فيه الشعب أو المجتمع إلى طبقات وفئات محددة المهام وتخضع فيه نشاطات الأفراد (بالذات الشعراء والفنانين)3 إلى رقابة صارمة. وفي هذه الدولة-المعسكر "تكون علاقة العبد والسيد هى القاعدة الأساسية فى تفكير أفلاطون فى جميع اﻟﻤﺠالات.

لا نقصد من هذا العرض إدانة أفلاطون فهو كان ينشد إقامة جمهورية مثالية فاضلة وفق تصوره للفضيلة

ففي مجال السياسة يفهم أفلاطون العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أنها علاقة بين سيد وعبد، فرجاله الذهبيون هم القلة من أصحاب الاستقراطية الكاملة الاستنارة والذين بيدهم السلطة والحكم. أما باقي أفراد المجتمع فهم عبيد بصورة أو بأخرى"(2: 30). فدولة أفلاطون، كما يصفها ول ديورانت، هي "علم مجرد بدون فن، إنها تمجد النظام... وتهمل الحرية التي هي روح الفن، إنها تقدس اسم الجمال، ولكنها تستبعد الفنانين القادرين وحدهم على صنع الجمال وإظهاره. إن دولته هي إسبرطة أو بروسيا، وليست دولة مثالية"(2: 31).

لقد مارست العناصر الاستبدادية في الرؤية الأفلاطونية للدولة المثالية نفوذها وفاعليتها لمدة حوالي ألف عام في أنظمة العصور الوسطى السياسية وسياسة الكنيسة، وفي العصر الحديث من خلال النظام النازي والنظام الفاشي!(2: 32).

لكن اللافت للنظر أن أفلاطون يتحدث(4: 468-471) عن عوامل ظهور المستبد أو الدكتاتور، الذي يسميه "الطاغية" وهو يظهر، عنده، من خضم الفوضى التي يمكن أن تؤول إليها الدولة الديموقراطية. ففي معمعان هذه الفوضى يختار الشعب نصيرا أو قائدا. وهذا النصير أو القائد، أو الزعيم يظهر في البداية بمظهر الدمث الودود مع الجميع مستنكرا الطغيان مجزلا الوعود للجميع، فيعفي من الضرائب والديون ويوزع الأرض على الشعب وعلى مؤيديه. وحينما يجد نفسه سيدا مطاعا يبدأ في سفك دماء أهله ويسوقهم إلى المحاكمة بتهم باطلة.

وعندما يكثر أعدؤه يطالب بإنشاء حرس ضخم خاص به بتعلة المحافظة على "نصير الشعب" مراعاة لمصلحة الشعب ذاته. بعد أن يقهر أعداءه في الخارج والداخل يتحول من "نصير للشعب" إلى طاغية ولا يكف عن إشعال الحرب تلو الأخرى كي يشعر الشعب بحاجته إليه. فالطاغية مضطر إلى إشعال نيران الحرب. وبسبب تمسكه بالسلطة وخوفه من المعارضة يبدأ في تطهير الشعب ممن تُخشى معارضته فيثير عليه الأحقاد. عندها لا يكتفي في حماية نفسه بحرسه المشكل من أبناء شعبه فقط، بل يعمد إلى توظيف حراس خارجيين.
***
لا نقصد من هذا العرض إدانة أفلاطون، فهو كان ينشد إقامة جمهورية مثالية فاضلة وفق تصوره للفضيلة، ومن المؤكد أنه لم يكن يتصور التفرعات السلبية لهذا التصور وتغذيتها التوجهات الطغيانية. ولكننا أحببنا أن نشير إلى بدايات آيديولوجيا الاستبداد.

المصادر والمراجع
*- يشير الرقم الأول إلى رقم المصدر أو المرجع في القائمة أدناه، ويشير الرقم الثاني إلى رقم الصفحة المأخوذ عنها.
1- عبد الرحمن الكواكبي. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد. كلمات. القاهرة. (د. ت).
2- د. حسن حماد. قصة الصراع بين الفلسفة والسلطة. الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة 2014
3- عمر أبو القاسم الككلي. من رقابة السلطة إلى سلطة الرقابة. بوابة الوسط. http://alwasat.ly/ar/news/kottab/117554/
4- جمهورية أفلاطون. ترجمة ودراسة د. فؤاد زكريا. دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر. الإسكندرية. 2004

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات