صديقي الصغير من الكويت الكبير

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

في مؤتمر دولي عن مشاكل المعاقين، تشعب نقاش ما بين خبير بريطاني، اسمه ديك لانكستر غاي، وصديقه السويدي، البروفسور سفين – أولوف براغارد، وارتفعت وتيرته، فاحتد لانكستر وقال بعصبية: «لكنك مخطئ، ولو كُنت مُعاقًا لعرفت ما أعنيه!». وفجأة توقف الصديقان وانفجرا ضاحكين، فقد كان براغارد يجلس في كرسي متحرك مشلولاً من الصدر إلى القدمين.

وتبسمتُ أنا أيضًا، فلقد خطر على بالي صديقي محمد التيسي، الذي تعرفت عليه وهو يتسلل من مرحلة الطفولة منطلقًا بثقة نحو مرحلة الشباب. محمد أيضًا، مثلما يسخر منه والده الذي هو صديقه جدًّا، ويخاطبه بود ساخر: «خد العكاز يا معاق» ولكن لا يبدو أن محمد كذلك، فما أراه هو أقرب إلى ما يُطلق عليه الغربيون «Dis-abled» وهي وإن كانت تعنى معاقًا إلاّ أنها قريبة من معنى عدم القدرة، فمحمد لا يستطيع أن يتحكم في الحركة بسهولة عند المشي تحديدًا، نتيجة ضمور في الأعصاب، ويثابر من خلال تمارين رياضية على أن يستعيد فاعلية أعصاب ساقيه.

كلما ألتقي بمحمد الذي نمت بينه وبين زوجتي علاقة أمومة نتجت عنها صداقة قوية كالتي انتبهت إليها في علاقته مع والده أحمد التيسي، وهو شخصية كويتية دافئة بسيطة ودودة واضحة وقريبة من القلب لدرجة أنها ارتقت عندي إلى مستوى أخلاق سفير حقيقي لبلد لا يعلم الكثيرون عنه سوى أن مساحته صغيرة وثري وكفى، فبين لنا الوجه المضيء للكويت.

بمجرد أن قرأت ما تفعله السويد لمعاقيها، اتضح لي أن الدولة الصغيرة في الخليج العربي تقوم بدور كبير من أجل معاقيها

وانتبهت إلى أنه لصديقي ذي الدماغ الذي عوض به الله محمد عن عدم مقدرته الطبيعية على الحركة السريعة، بقدرة بحث وتفكير واستنتاج لا تتفق أبدًا وصغر سنه، لدرجة أنه كثيرًا ما فاجأني بتحليلات لا تتناسب أبدًا ومرحلة دراسته، فخطر على بالي عظماء كُثر وُصفوا بأنهم مُعاقون ولكنهم قدموا للبشرية الشيء الكثير، وإن كانت إعاقتهم بسبب مرض التوحد، مثل ألبرت آنشتاين، والرئيس الأميركي روزفلت، بتهوفن، الإمام الترمذي، ستيفن هو كنج، وطه حسين ...وغيرهم.

سنكتفي بالسيد السويدي، براغارد، الذي ذكرته في بداية مقالي، باعتبار أنه كان أحد 400 مليون معاق في العالم سنة 1981، وكان عمره، آنذاك، 57 سنة، عندما قال عنه الخبير البريطاني: «إن تأثيره في الحياة المستقلة للمعاقين فاق تأثير أي شخص آخر في العالم» فهو الأستاذ الأول في جامعة غوتنبرغ السويدية لبحوث المعاقين، وهو الذي يطوف العالم بحقيبة ممتلئة ببحوث لا تقبل الجدل يؤكد فيها أن دمج المعاقين في المجتمع هو من الناحيتين الاقتصادية والأخلاقية أكثر حكمة وجدوى من فصلهم عنه.

وظل شعاره لمسألة المعاقين: «الدمج والتكييف»، فنقل من البداية المعاقين الشباب من دور العجزة للانخراط في حياة المجتمع، وتوجه إلى العالم يطالب بهندسة مواقع الخدمات والمنازل ووسائل النقل لتمكين هؤلاء المعاقين من الحياة ضمن المجتمع وليس بعيدًا عنه، فكانت الشقق المخصصة لهم والسيارات والمكاتب. صارت مؤسسته تعج بالمهندسين الأصحاء وعلماء النفس والأطباء والاقتصاديين، ولم يطل الأمر حتى صار معظم مَن يديرون مؤسسته من المعاقين، ولم يعد المعاقون يحتاجون إلى همتهم. صاروا جزءًا من الحياة.

لقد نقل لي صديقي التيسي الصغير بطرحه البسيط نظام الكويت البديع في اهتمامها بمثل حالته، وبيَّـن لي كيف أن عائلته طافت العالم به، بتشجيع من الدولة إذ فرّغت والده للتخصص في رعاية ابنه الذي صار بحق صديقه فهو مرافقه ورفيقه، وطوال سنة كاملة قضاها معنا في القاهرة لم أر صديقي الصغير من دون صديقي الكبير.

وبمجرد أن قرأت ما تفعله السويد لمعاقيها، اتضح لي أن الدولة الصغيرة في الخليج العربي تقوم بدور كبير من أجل معاقيها، والغريب أنني وأحد أصدقائي كان له ابن أُصيب بالتوحد، بحثنا منذ حقبة سابقة عن مستشفى عربي متخصص، فلم نجد سوى مستشفيات قليلة في العالم العربي كانت الكويت من ضمنها.

فماذا أريد أن أقول؟ سيكون لنا عالِم عربي من الكويت في مجال بحوث الإعاقة اسمه محمد أحمد التيسي تذكروا ذلك لأنني مقتنع بما لمسته فيه، ومقتنع أيضًا بمثلنا الليبي الذي يقول: «اللي تخطا الرأس تطبب» أعني أن ما لا يصيب الدماغ يُعالج، وفوق ذلك أن الدولة الكبيرة سوف تنتبه عاجلاً لإمكانات صديقي الصغير التي تبشر بعبقرية سيشار إليها طويلاً بالبنان.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات