ركن العامرية .. ثقافة ألقاب لا ثقافة إنتاج

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

حدث أن قابلتُ صدفة صديقا ليبيا و باش..مهندس، وبعد التحية عرّفته برفيقي قائلة "الصديق فلان الفلاني". تصافح الرجلان ودهشتُ حد الانذهال حين سمعتُ الصديق يقول "الباااش. مهندس فلان الفلاني"!

انتشرت في الآونة الآخيرة ثقافة المناداة بالألقاب، حد أنني بتُّ أسمع الزوجة تقول "الدكتور فلان" عند الحديث عن زوجها..! إصرار عجيب على التفاخر بالألقاب سواء من صاحب اللقب نفسه كما الحادثة المذكورة أو الآخرين.

وقد تكون الأسباب لذلك نفسية واجتماعية خصوصًا مع توالي حالات الفشل وتتالي الخيبات التي يغوص فيها مجتمعنا حتى بات بحاجة ولو لنجاحات واهية، وانتصارات وهمية يشد بها من إصره و يفخر وإن كان فَخَارا من فَخَّار، متجاهلًا في ذات الوقت أن اللقب مهما علا لا يزيد الذات بعدًا بقدر ما يضيف عليها عبء المسئولية، فالذات لا تكون ذاتًا إلا بمقدار ما تنتج من عمل. ونجاح المجتمع في عمومه يكون بما تم فيه من إنجاز بفضل علم وعمل أفراده. فما هو الإنتاج المتميز لمهندسينا مثلًا أو أي كادر آخر!

وللتوضيح سأتناول بعض إنجازات المهندسين لا لشيء وإنما كمثال ساقه القدر، فلنبدأ إذاً بالمعماريين..

هم الفنانون المبدعون أصحاب الموهبة العالية، المهتمون بجمال المدينة و مظهر بيوتاتها الأنيقة. و بجولة سريعة في طرقات محبوبتي طرابلس و بدون إرجاع البصر مرتين، سيرتد دامعاً عند انكساره على الفروقات الشاسعة بين جميل الأثر وعدمه فبين المعماريين الإيطاليين والليبيين بون وأي بون مما يجعلني أتساءل، أين هي طرابلس الليبية إن تجاوزنا طرابلس العثمانية وطرابلس الإيطالية!؟

لا علم لي بعدد المهندسين الكهربائيين في بلادنا و لكني أعلم عدد ساعات انقطاع الكهرباء عن بيوت الليبيين

أما مهندسو الذهب الأسود فلولا الشركات الأجنبية لما كان التبر تبرا بل قارًا حالكًا يلطخ به هؤلاء الباش..مهندسون ظهر البعير. وبالنسبة لمهندسي المواصلات الذين يخططون طرقات المدينة، تلك المدينة ذات البنايات المتهالكة بلا عناوين شأنها في ذلك شأن الكثير ممن فيها..!

أما الإنجازات الكبرى لمهندسي الاتصالات. فشبكة الاتصال في بلادنا أسرع قليلًا من رفرفة الحمام الزاجل.

مهندسو الطيران..! أضرب لكم مثلًا و جبيني يتصبب عرقًا.! عن طائراتنا أتحدث و ألوك الكلام عن مستويات إجراءات السلامة.. ! ألم أقل لكم أن الأمر في غاية الخجل..!

ويُقال والعهدة على باش..مهندس، أن الهندسة الكهربائية أصعب أقسام الهندسة وأعلاها كعبًا فأقول.. لا علم لي بعدد المهندسين الكهربائيين في بلادنا و لكني أعلم عدد ساعات انقطاع الكهرباء عن بيوت الليبيين ومحالهم وتبعات ذلك على الصحة العامة وللإنصاف، فإن توفر الحلول الليبية الخلّاقة كاستعمال مولّدات الكهرباء بأصواتها الباعثة على الانهيار العصبي لمن يملك بقايا نفسية سوية، لهي خارقة أخرى من الخوارق الهندسية الليبية.!

أما الإنجاز الأكبر، مع احترامي الشديد والصادق لبعض الأفراد منهم، أقول و الحرج يكاد يقتلني كل يوم ألف مرة، أن الحكومات التي تعاقبت علينا أثناء وبعد تلكم الأحداث كان لها نصيب الأسد من صفوة المهندسين و حملة المؤهلات الأخرى العالية جدًا جدًا... و مع ما يملكونه افتراضًا أو اعتباطًا من فكر واطلاع وخبرة إلى جانب الألقاب الغليظة والأيّمان المغلّظة إلا أننا و للأسف لم نرَ أية فطنة منهم أو رجاحة عقل.. فمعظم قراراتهم السياسية لم تختلف في طبيعتها عما كان يمكن أن يقرره أي جمع من البلداء ممن لا يملكون أيه ألقاب..!

أنا هنا لا أتحامل على الباش مهندسين ولكنني أصف واقعًا مريرًا، فليس مطلوبًا من أحد منا إنتاج أي معرفة، وإنما على أقل تقدير استغلال ما توفر من المعرفة المنتجة من الأغيار لإنجاز عمل متميز لبلادنا. فلا طائل أبدًا من لقب لشخص ليس مرتبطًا بهموم بلاده ومنشغلًا عن محاولة تغيير واقعها المر.

كان هذا حديثا سريعا تبادلته مع نفسي أثناء تبادل الباش..مهندس كليمات المجاملة مع رفيقي.. وبعد انتهاء اللقاء وبعده بدقائق لمحتُ صديقًا لي أستاذًا في الجامعة برفقة طبيب ومحام وحيث أن المقال لا يتسع لمزيد مقال ارتأيتُ أن أذوب في الزحام كي لا أضطر إلى الاختيار بين مناداتهم بألقاب فخار من فخّار أو الاستمرار في كتابة هذا المقال فقد كلّ بناني..!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : Mme Dandachi

    16.10.2016 الساعة 20:54

    هو ذا الواقع تماماً في الوطن العربي من شرقه إلى غربه. هي ثقافة الألقاب هذه التي تجعل العرب يلهثون وراء الماركات في ملابسهم ونظّاراتهم وسيّاراتهم. هي نفسها التي تجعل المرأة عندما تتحدّث عن زوجها بقوْل زوجي وكأنه لا إسم له، فلطالما تشربّت الفتاة الشرقية أن لا وجود لها خارج هذا اللّقب. كل الشعوب المتخلّفة عرباً أم أفارقة أم هنوداً، الخ... تعيش في المظاهر أولاً وأخيراً. هي ثقافة الألقاب هذه التي تجعل العرب يختارون دراسة الطبّ والهندسة دون التمتّع دائماً بالمواصفات النفسية والمقوّمات الفكريّة الخلاّقة، فقط من باب "البريستيج". المجتمعات العربية تظن أنها ستبني مجتمع القرن الواحد والعشرين مع كلّ تعقيداته بثلاثة أو أربعة تخصّصات. عندما نرى الجهل والفقر العلمي والبؤس العقلي يتراجعون سيكون هناك أطبّاء ومهدنسون بكلّ معنى الكلمة، يعنى بما تتضمّنه هذه المهن من أبعادا إنسانية. مشكورة أنت سيّدة فدوى لمساهماتك في النّقد البنّاء الهادف لمجتمعات عربية ومسلمة ذات مكانة في الركب الحضاري الذي هو الهدف لكلّ مجتمع إنساني.

  • بواسطة : عادل

    14.10.2016 الساعة 05:15

    يا أخ مختار من تصفهم في تعليقك لا يشكلون خمسة في المائة ولكن الأغلبية هم كما وصفتهم صاحبة المقال.

  • بواسطة : يوسف

    8.10.2016 الساعة 12:03

    صحيح جدا وجدا ، ما قلته جزء من الخيبة الليبية الكبرى . من اسميهم حزب الshow " في ليبيا وهم للأمانة الاكثرية الصامتة والهزازة والمتكلمة . هذا الحزب يشمل ايضا " الباش مثقف " الذين لا ارى له اي نتاج ادبي او فكري .

  • بواسطة : مختار الطلحي

    8.10.2016 الساعة 03:21

    المقالة لو اخذناها كقطعة أدبية فلابأس بها اما من ناحية علمية فهي مقالة متجنية و مغالطة للحقيقة وهنا لا ادافع عن المهندسين بقدر ما احاول توضيح ما التبس على الكاتبة ... لعل لبمهندسين الليبيين الذين يقومون بصيانة محطات الكهرباء المتهالكة التى يتم قصفها من قبل المليشيات والكتائب على مدار السنة لعرفت مدي ضخامة الجهد الذي يبذلونه في ظل عدم وجود قطع غيار والات وادوات صيانة ...الطائرات هي الاحرى ما احرق منها و ما تبقي ينقصه الكثير من قطع الغيار و نقص في التمويل و رغم ذبك حافظوا علي هذه الطائرات تطير. لا ادرى اذا كانت الكاتبة تقطن في ليبيا ام لا لكن ما انا متأكد منه لنه قد خالفها الصواب وقد تجنت بالفعل على المهندسين وان كان بلا علم او معرفة........