الشعب التراجيدي

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

يبدو أن ليبيا تبدو للكثيرين من إخواننا العرب، غربنا وشرقنا، بغض النظر عن الأجانب "بقعة سوداء". فالذين غربها يشرقون والذين شرقها يغربون دون الاهتمام بها. لكأن هذه البلاد ليست ذات تاريخ وأن لها بعض الإسهامات المتواضعة فيه.

فليس معروفا، مثلا، أن صحيفة "طرابلس الغرب" صدرت في ليبيا سنة 1866 أي قبل صحيفة "الأهرام" التي صدرت سنة 1876 بعشر سنوات. ومن غير المعروف أيضا أن أول جمهورية في الوطن العربي تأسست في الجزء الغربي من ليبيا سنة 1918 باسم "الجمهورية الطرابلسية". إلا أنه لم يقيض لها أن تدوم طويلا. من الأشياء المجهولة أيضا أن أول صحيفة مختصة بشؤون الأدب والثقافة صدرت في ليبيا سنة 1972 باسم "الأسبوع الثقافي". أي قبل صحيفة "الأسبوع الأدبي" السورية التي صدرت سنة 1985 وصحيفة "أخبار الأدب" المصرية التي صدرت سنة 1993 والتي أعلن مصدروها حينها أنها أول صحيفة عربية من نوعها!

ليبيا بلد ذو تاريخ مليء (كي لا أقول: حافل) بالسراء والضراء

ومن ناحية الأسبقية على الجانب السلبي كان من سوء حظ الليبيين أنهم أول شعب في العالم واجه الدبابة التي استخدمت في الحرب للمرة الأولى من قبل الإيطاليين في ليبيا سنة 1913. كما أن سوء حظهم جعلهم أول شعب يتعرض للقصف من السماء حيث استخدمت الطائرات في إلقاء القنابل في ليبيا من قبل الإيطاليين ووقعت أول حادثة من هذا النوع سنة 1911 في بلدة جنزور غرب طرابلس.

وأول حادثة يتم فيها إسقاط طائرة حربية جرت في ليبيا في بلدة طبرق حيث أسقطها أحد المجاهدين ببندقية تقليدية وتم أسر الطيار (وهي أيضا أول حادثة يؤسر فيها طيار). سوء الحظ التاريخي جعل من الشعب الليبي أيضا أول شعب في التاريخ المعاصر يتعرض إلى عمليات اعتقال جماعي حيث اعتقلت سلطات الاستعمار الإيطالي الفاشية في ما بين 1929-1932 حوالي80000 ليبي من الرجال والنساء والأطفال في معسرات اعتقال جماعي في ظروف بالغة السوء بحيث لم ينج منهم تقريبا سوى ربعهم. علما بأن عدد المعتقلين في هذه المعتقلات يمكن أن يقارب عشر سكان البلاد حينها. في ليبيا أيضا أقام الإيطاليون أول جدار من الأسلاك الشائكة من نوعه على الحدود الليبية المصرية بامتداد حوالي 400 كيلومتر.

قصدنا من هذا السرد المقتضب أن ليبيا بلد ذو تاريخ مليء (كي لا أقول: حافل) بالسراء والضراء، وإذا كانت المفارقات التاريخية جعلت ضراءه أكثر من سرائه، أي جعلت منه شعبا تراجيديا، إذا جاز التعبير، ولم يحالفه الحظ، بسبب واقعه التراجيدي هذا، لا في إطلاق إمكانياته الإيجابية ولا في جذب الانتباه إلى إيجابياته المتحققة فعلا، فإنه لا يليق بزملائنا المثقفين العرب الاستمرار في الإسهام في بقائنا في دائرة العتمة.. ينبغي الانتباه، مثلا، إلى إبداعات الليبيين الجارية في الشعر والمسرحية والقصة والرواية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات