ليبيا إلى الحربِ دُر

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

حين يكون عدوك زاداً لوجودك ستعملُ على أن يبقى هذا العدو، ما يكون حينها خيرا من الصديق البائر الذي قلته كما توفره.

1-
كان معمر القذافي الديكتاتور الذي لا مُبرر للوجودِ عندهُ غير التمسك بالسلطة والصراع من أجل بقائها عنده وفي الأفق عند ذريته، كان يقتل ويقاتل ويخوض حروباً صغيرة مُضطردة حربا تلو حرب: تونس ومصر والسودان وتشاد وأوغندا ولبنان ونيكاراجوا وسوريا...وهلم جرا، ولعقود جعل البلاد غائصة في حروب لا طائل من ورائها غير بقائه في السلطة، وفي أول التسعينات من القرن الماضي، عقب هزائمه في تشاد ومبادرة أصبح الصبح المتمثلة في إطلاق سراح السجناء السياسيين ما بيَّن أن النظام يعيش أضعف لحظاته، عاد الأفغان الليبيون إلى البلاد تحت مسمى "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة"، وخاضوا حرب عصابات في المدن خاصة درنة وبنغازي وفي الجبل الأخضر، وقد واجههم القذافي ولكن الملاحظ أن عمليات الاغتيالات التي قاموا بها في حينها كانت تُجاه رجال من النظام لا حول لهم ولا قوة، وقد جلب القذافي جيشا عرمرما من غرب البلاد وغيرها، قدرهُ بعضهم بعشرين ألفا، طارد به مجموعات "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة" المتحصنة بالجبل الأخضر، وعلى الخصوص في مدينة درنة التي فُتشت: بيتا بيتا، زنقة زنقة، جبانة جبانة التي أُطلقت كميات هائلة من الرصاص على قبورها لعل أحدهم اتخذها ملاذا.

هذا الحراك الدبلوماسي المحموم فجأة من قبل الجامعة العربية والأمم المتحدة ودول الجوار ومن قبل مسئولي اللحظة الليبية الاستثنائية يجعل الحرب ممكنة

لكن رغم هذا بعض العسكريين المُحترفين وحتى من غيرهم لاحظوا أن المطاردة في الجبل الأخضر ليست محكمة ولا دقيقة في الحد الأدنى العسكري، كانوا مثلا يبلغون عن وجود جماعة ممن يطاردون في مكان محدد في وديان الجبل وحين يصلون يكتشفون أنهم غادروا المكان منذ وقت قصير مضى، هذا غير أنهم يكتشفون تمويناً جما رغم أنهم يحاصرون المكان بدقة متناهية، لقد تنبهوا إلى أن مقاتلي "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة" على بينة من خطط الجيش وتحركاته ، ولذا تحوط الضباط الصغار وبينوا للقيادة الأمر الذي لم تعره اهتماما البتة، ومن ثم انتبهوا إلى أن القيادة تريد إطالة الأمر عبر صدمات نادرة مع العدو الذي أمسوا يحاصرونه لكنهم لا يقاتلونه، بل ولاحظوا أن الحصار ذاته غدا كما لعبة القط والفأر الشبعانين.

قلة من المعارضة في الداخل رأت أن القذافي يستثمر حربه هذه في مسألة سياسية بُعدها الخارجي أهم بكثير من الداخلي، ولذا توكدوا أن طول خيط القذافي لا يُضيع الإبرة – هذه المرة- بل يجعلها سنارةً وطعوماً أيضا.

2-
الكل يعرف أن الحربَ سياسةٌ تستخدمُ العنف لكن المطلع على الأمور فقط من يعرف كيف تكون تكتيكات هذه الاستراتيجية، وهذا من طبائع الحرب. وكذا الكل يعرف أن السياسة فن الممكن أما ما هو هذا المُمكن فذلك تعينه السياسة والساسة معا وفي حينه ومكانه.

3-
ليبيا الآن على المحك محليا حيث أن تحرير "هلال النفط" هو كمن افتك الجُبن من الفأر لكن القطط كثيرة، وليبيا الآن على المحك إقليميا حيث هناك اهتمام عملي مُركز ومُكثف ومُعلن في دول الجوار بالشأن الليبي وبشكل غير مسبوق، وكذا من الحضور الليبي على المستوي الإقليمي العربي أولا والأفريقي أيضا، وليبيا الآن على المحك فأمريكا ودول من الاتحاد الأوربي تقاتل في ليبيا بما تستدعيه المعركة من تدخل في تقدير المُتدخلين، وروسيا والصين دقت الأبواب.

وكل هذا حرب إما بالسلاح وإما بالدبلوماسية المحفوفةِ بالمخابرات التي ترصف الطريق وتُمهدها، وإذا كانت الولايات المتحدة في حيض الانتخابات الرئاسية فإن هذا يجعلها مُصابة بحمى ليلة السبت، والاتحاد الأوروبي مُصاب برشح الهجرة مما يجعل أمر ليبيا كما أمر مستجد، وكما أشرنا أن روسيا والصين تدق الأبواب فإن ليبيا أضحت ساحة مضافة للعراك بالنيابة، بهذا كأن أمرها إلى الحرب دُر.

وهذا الحراك الدبلوماسي المحموم فجأة من قبل الجامعة العربية والأمم المتحدة ودول الجوار ومن قبل مسئولي اللحظة الليبية الاستثنائية يجعل الحرب ممكنة كما أن السلام ممكن بدرجة تناصف المئة بينهما، ويوضح هذا ما يحدث في اللحظة الراهنة التي كأن شعارها: ان لم تَكبُر لن تَصغُر.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات