تجربة النهضة وتجربة الأزمة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

تنشأ الحركات والتوجهات الفكرية والأدبية والفنية داخل سياقات تفاعلات اجتماعية وشروط تاريخية محددة. أحيانا تكون الترابطات بين هذه الحركات والتوجهات، من جهة، والسياقات الاجتماعية والتاريخية، من جهة أخرى، على قدر من الوضوح والتميز. وفي أحيان أخرى يحتاج تبينها إلى اجتهاد في إزالة الالتباسات والاختلاطات التي اكتنفتها أثناء مسيرتها التفاعلية.

فمثلا يمكن إيجاد صلات بين تسليط الضوء على المتنبي مع بدايات القرن العشرين وتبلور فكرة القومية العربية وظهور حركة التحرر القومي العربي في ما بعد. وكذلك هو الشأن مع التركيز على المعري والمعتزلة وابن رشد وابن خلدون وغيرهم، لما يمثلونه من عقلانية كانت هذه الحركة تعتبرها سلاحا من أسلحة بلورة الهوية والتحرر الفكري.

لقد التفت مفكرو حركة التحرر القومي العربي إلى أهمية الاستناد إلى التراث والتزود مما فيه من مواطن الاستنارة في المعركة ضد الاستعمار وضد التخلف وباعتباره من خصائص الهوية. ولعل أولى المحاولات كانت على يد المفكر اللبناني فرح أنطون (ت. 1922) الذي وضع كتابا عن ابن رشد بعنوان "ابن رشد وفلسفته" سنة 1903.

ظهرت منذ أوائل السبعينييات مشاريع فكرية جادة في هذا الميدان أبرزها مشاريع حسين مروة والطيب تزيني ومحمد عابد الجابري

لكن ثلاثينيات القرن الماضي تعد "الحاضن الزماني لبروز قضية التراث، ويظهر في المجتمع العربي جيلٌ نُخبي في إثر المعركة النقدية التي دارت بين الليبراليين التنويريين وبين السلفيين الإسلاميين". (1) وأهم رائدين في هذا المجال هما طه حسين وأحمد أمين.وبدخول الليبراليين التنويريين والماركسيين مجالات البحث التراثي انتهى (1) احتكار السلفيين لهذا الإقليم الذي كانوا يعتبرونه منطقة سيادة مطلقة لهم وأنهم الوحيدون المؤهلون للخوض في دقائقه.

لقد أحدثت هزيمة أنظمة التحرر القومي العربية سنة 1967 أمام إسرائيل هزة عنيفة في المجتمع العربي وبين صفوف حركة التحرر القومي العربية وخلخلت الاعتقاد بجدوى ما استندت إليه من فكر وجدوى مشروعها التحرري، ما دفع بعدد من الكتاب والمفكرين العرب، في أكثر من قطر عربي، إلى تركيز الاهتمام على التاريخ العربي والتراث العربي والبحث عن منابع الحيوية التي بقيت حية فيه، وإن لم تكن فاعلة، وربطها بالمستجدات التاريخية والظروف الراهنة لإيجاد أرضية فكرية يمكن أن تساعد المجتمعات العربية في التقدم نحو التحرر والبناء، وقطع الطريق على حركات الإسلام السياسي المتنامية التي تعتقد بإمكانية العودة بـ "العصر" إلى الخلف.

نتيجة ذلك ظهرت منذ أوائل السبعينييات مشاريع فكرية جادة في هذا الميدان أبرزها مشاريع حسين مروة والطيب تزيني ومحمد عابد الجابري، وبعد ذلك دراسات محمد أركون التنويرية.

لكن ثمة من يرى (2) أن هذه المشاريع المتأخرة التي درست التراث لم تضف جديدا إلى ماكتبه فرح أنطون عن ابن رشد مثلا. وذلك لأن "الفرق بين فرح أنطون والجابري وتزيني ومروة وآخرين أن تجربته التاريخية أصيلة. أما تجربتهم فهي تجربة أزمة، وشتان ما بين تجربة النهضوي وتجربة الأزمة" (2).

فما من تجديد فلسفي في هذه الدراسات يصوغ مفاهيم فلسفية جديدة تغني الفكر الماركسي، مثلا، من قبل الذين درسوا التراث وفق المنهجية الماركسية (2)على غرار ما فعل المفكر الماركسي الإيطالي غرامشي، مثلا، في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث نجد مفاهيم الاستقلال التاريخي والكتلة التاريخية والهيمنة والسيادة إلخ.

1- صلاح الدين أحمد يونس. التنازع على التراث في الفكر العربي النهضوي http://al-tarik.com/?p=155
2- أحمد برقاوي. بؤس التراثيين العرب. الجديد. ع 7. أغسطس 2015

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات